الحلقة السادسة "فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً" — قسوة القلب بوصفها بنية لا عارضًا
مدخل: ما معنى أن يكون القلب أقسى من الحجر؟ ليس في القرآن كله وصفٌ لقسوة القلب البشري أشدّ ولا أبلغ من هذا الوصف. لم يقل النص "فهي كالحجارة" فحسب — وهو وصف كان كافيًا ليُفيد القسوة القصوى — بل أضاف: "أو أشدّ قسوة". ثم لم يكتفِ بذلك بل بيّن أن الحجارة ذاتها — الجماد الصلب الأصمّ — فيها لِين وانفعال وخشية: بعضها يتفجر منه الماء، وبعضها يتشقق، وبعضها يهبط من خشية الله. أي أن الحجر — وهو ما نضرب به المثل في الصلابة والجمود — يستجيب لأمر الله ويخشاه أكثر مما تستجيب هذه القلوب وتخشاه. حجر يخشى الله وقلب بشري لا يخشاه — هذا وصف يتجاوز القسوة العادية إلى ما يمكن أن نسمّيه انعدام الإنسانية الكامل. والقرآن لا يصف هذه القسوة بوصفها طبعًا خَلْقيًّا بل بوصفها نتيجة لمسار تراكمي: "ثمّ قست" — و"ثمّ" تُفيد الترتيب والتراخي، أي أن القسوة لم تنزل عليهم فجأة بل تكوّنت تدريجيًّا. وعبارة "من بعد ذلك" تُحيل إلى ما سبق من آيات وبيّنات وعلامات رأوها بأعينهم: رأوا المعجزات فلم يؤمنوا، ورأوا الحق فأعرضوا عنه، ورأوا الآيات فحرّفوها — فتصلّبت قلوبهم طبقة بعد طبقة حتى صارت أقسى من الحجر. القسوة إذن ليست عيبًا عابرًا بل بنية نفسية وأخلاقية تشكّلت عبر قرون من التمرّد والتحريف والاستعلاء. وهذا ما يجعل هذه الحلقة مختلفة عن سابقاتها: الاستعلاء ونقض العهود والتحريف والربا — كل هذه السمات يمكن أن نجد لها نظائر عند شعوب ومجتمعات أخرى بدرجات متفاوتة. لكن القسوة التي يصفها القرآن هنا قسوة بنيوية — لا تنتج عن موقف بعينه بل عن منظومة كاملة أنتجتها وتُعيد إنتاجها. والفارق بين قسوة الظرف وقسوة البنية كالفارق بين من يُخطئ في لحظة غضب فيندم ومن يقتل يوميًّا دون أن يشعر بشيء — الأول قاسٍ لحظيًّا والثاني قاسٍ بنيويًّا. والقرآن يتحدث عن النوع الثاني.
الاقتباس الافتتاحي
﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ۚ وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ — البقرة: 74
مدخل: ما معنى أن يكون القلب أقسى من الحجر؟
ليس في القرآن كله وصفٌ لقسوة القلب البشري أشدّ ولا أبلغ من هذا الوصف. لم يقل النص "فهي كالحجارة" فحسب — وهو وصف كان كافيًا ليُفيد القسوة القصوى — بل أضاف: "أو أشدّ قسوة". ثم لم يكتفِ بذلك بل بيّن أن الحجارة ذاتها — الجماد الصلب الأصمّ — فيها لِين وانفعال وخشية: بعضها يتفجر منه الماء، وبعضها يتشقق، وبعضها يهبط من خشية الله. أي أن الحجر — وهو ما نضرب به المثل في الصلابة والجمود — يستجيب لأمر الله ويخشاه أكثر مما تستجيب هذه القلوب وتخشاه. حجر يخشى الله وقلب بشري لا يخشاه — هذا وصف يتجاوز القسوة العادية إلى ما يمكن أن نسمّيه انعدام الإنسانية الكامل.
والقرآن لا يصف هذه القسوة بوصفها طبعًا خَلْقيًّا بل بوصفها نتيجة لمسار تراكمي: "ثمّ قست" — و"ثمّ" تُفيد الترتيب والتراخي، أي أن القسوة لم تنزل عليهم فجأة بل تكوّنت تدريجيًّا. وعبارة "من بعد ذلك" تُحيل إلى ما سبق من آيات وبيّنات وعلامات رأوها بأعينهم: رأوا المعجزات فلم يؤمنوا، ورأوا الحق فأعرضوا عنه، ورأوا الآيات فحرّفوها — فتصلّبت قلوبهم طبقة بعد طبقة حتى صارت أقسى من الحجر. القسوة إذن ليست عيبًا عابرًا بل بنية نفسية وأخلاقية تشكّلت عبر قرون من التمرّد والتحريف والاستعلاء.
وهذا ما يجعل هذه الحلقة مختلفة عن سابقاتها: الاستعلاء ونقض العهود والتحريف والربا — كل هذه السمات يمكن أن نجد لها نظائر عند شعوب ومجتمعات أخرى بدرجات متفاوتة. لكن القسوة التي يصفها القرآن هنا قسوة بنيوية — لا تنتج عن موقف بعينه بل عن منظومة كاملة أنتجتها وتُعيد إنتاجها. والفارق بين قسوة الظرف وقسوة البنية كالفارق بين من يُخطئ في لحظة غضب فيندم ومن يقتل يوميًّا دون أن يشعر بشيء — الأول قاسٍ لحظيًّا والثاني قاسٍ بنيويًّا. والقرآن يتحدث عن النوع الثاني.
القسم الأول: المرآة القرآنية
١. القسوة بعد البيّنات — التصلّب في مواجهة الحق
السياق المباشر لآية "ثمّ قست قلوبكم" في سورة البقرة يأتي بعد سلسلة من الآيات والبراهين: أُحيي لهم الميت بإذن الله (قصة القتيل الذي ضُرب ببعض البقرة فأحياه الله ليُخبر عن قاتله)، ورأوا بأعينهم معجزة الإحياء — ومع ذلك قست قلوبهم. والعجيب أن القسوة لم تسبق المعجزة بل جاءت بعدها — أي أنهم رأوا ما يُليّن الصخر فازدادوا صلابة.
وهذا نمط متكرر في القصص القرآني عن بني إسرائيل: كلّما رأوا آية ازدادوا عنادًا. فُلق لهم البحر فعبروا — ثم مرّوا على قوم يعكفون على أصنام فقالوا لموسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَٰهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ — الأعراف: 138. غاب عنهم موسى أيامًا فصنعوا عجلًا من ذهب وعبدوه — بعد أن رأوا بأعينهم قدرة الله في فلق البحر وإغراق فرعون. أُنزل عليهم المنّ والسلوى فملّوا وقالوا: ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا﴾ — البقرة: 61. استبدلوا الأدنى بالذي هو خير — ليس بسبب حاجة بل بسبب نفس لا تشكر ولا تلين ولا تنكسر أمام النعمة.
والقرآن يرسم هذا النمط بوضوح مقصود: الآيات تتوالى والقلوب تزداد قسوة. وكأن هناك علاقة عكسية: كلما زاد نور الحق زاد ظلام القلب. وهذا ليس تناقضًا بل منطق نفسي دقيق: من يرفض الحق بعد أن يراه واضحًا يحتاج أن يزيد من قسوته الداخلية ليُبرر رفضه لنفسه. الإنكار المتكرر يحتاج إلى تبلّد متزايد — كالمُخدِّر الذي يحتاج صاحبه إلى جرعة أكبر في كل مرة ليحصل على الأثر ذاته. قسوة القلب هنا آلية دفاعية يُنتجها العقل ليحمي الكِبر من الحق — فكلما ازداد الحق وضوحًا ازداد القلب تصلّبًا ليقاومه.
٢. قتل الأنبياء — القسوة في أعلى درجاتها
لا شيء يكشف قسوة القلب مثل قتل الأنبياء. الأنبياء — بطبيعة رسالتهم — رحمة مُهداة: يأتون ليُخرجوا الناس من الظلمات إلى النور ويُبلّغوهم كلام الله ويُذكّروهم بالحق. قتل النبي لا يعني قتل شخص عادي بل قتل الرحمة ذاتها — إطفاء النور الذي أُرسل لإنارة الطريق.
والقرآن يُكرّر هذه التهمة في مواضع كثيرة:
﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ — البقرة: 61.
﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَىٰ أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ — البقرة: 87.
﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ۗ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ — آل عمران: 112.
لاحظ التسلسل في آية البقرة: "أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم" — الاستكبار أولًا، ثم نتيجته: "ففريقًا كذبتم" — التكذيب، "وفريقًا تقتلون" — القتل. الحركة تصاعدية: من الكِبر إلى التكذيب إلى القتل. والسبب ليس أن الأنبياء أساؤوا إليهم بل أنهم جاؤوا "بما لا تهوى أنفسكم" — بما يتعارض مع أهوائهم ومصالحهم واستعلائهم. قتل النبي هو قتل الحقيقة التي تُهدّد الامتيازات — وهذا يحتاج إلى قلب لا يعرف الخشية ولا الرحمة ولا الحياء من الله.
وعبارة "بغير حق" — التي تتكرر مع ذكر قتل الأنبياء — تُفيد أنهم لم يكونوا يقتلونهم في لحظة فوضى أو غضب عارض بل كانوا يُقنعون أنفسهمبأن لهم حقًّا في القتل: هذا النبي كاذب، هذا يُهدّد وحدتنا، هذا يُضعف معنوياتنا، هذا يُغيّر شريعتنا. أي أن القتل كان مُبرَّرًا أخلاقيًّا ودينيًّا في أذهانهم — ولا يملك هذه القدرة على تبرير قتل الأبرياء إلا قلب بلغ أقصى درجات القسوة.
٣. "قُلُوبُنَا غُلْفٌ" — التباهي بالقسوة
في موضع آخر يكشف القرآن عن ظاهرة أعجب من القسوة ذاتها: التباهي بها:
﴿وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ ۚ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ — النساء: 155.
"قلوبنا غُلف" أي مغلّفة محجوبة لا يصل إليها كلامك يا محمد. وهم لم يقولوا هذا باعتذار أو خجل بل بافتخار: قلوبنا محصّنة ضد كلامك — لن تؤثّر فينا. القرآن يردّ بأن هذا ليس تحصينًا اختياريًّا بل طَبع إلهي عقابي: "بل طبع الله عليها بكفرهم" — الله ختم على قلوبهم عقوبةً لهم على كفرهم المتراكم. فما يظنونه قوة هو في الحقيقة عقوبة، وما يفخرون به هو في الحقيقة وصمة.
والتباهي بالقسوة أخطر من القسوة ذاتها لأنه يعني أن القسوة لم تعد خللًا يحتاج إلى إصلاح بل صارت هوية يُفاخَر بها. من يعترف بقسوته قد يُراجع نفسه يومًا — أما من يفخر بها فقد أغلق آخر باب للتوبة والمراجعة.
٤. القسوة واللعنة — "فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً"
في المائدة: 13 يربط القرآن ربطًا صريحًا بين نقض الميثاق واللعنة والقسوة:
﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً ۖ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ ۙ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾
التسلسل في الآية كاشف: نقض الميثاق (الفعل) → اللعنة (العقوبة الإلهية) → قسوة القلوب (النتيجة النفسية) → تحريف الكلم (النتيجة العملية) → نسيان ما ذُكّروا به (النتيجة المعرفية). كل حلقة تُنتج التي تليها: نقض العهد يستوجب اللعنة، واللعنة تُقسّي القلب، والقلب القاسي لا يتورّع عن التحريف، والتحريف يُنسي الحقائق الأصلية. والحلقة مغلقة لأن نسيان ما ذُكّروا به يُسهّل مزيدًا من نقض العهود — وهكذا.
هذه الآية تؤكد ما قلناه في المدخل: القسوة بنية لا عارض — منظومة متكاملة لا خلل جزئي. وهي تربط بين كل السمات التي ناقشناها في الحلقات السابقة: نقض العهود (الحلقة الثالثة) والتحريف (الحلقة الرابعة) والقسوة (هذه الحلقة) — كلها حلقات في سلسلة واحدة يُغذّي كل عنصر فيها العنصر الآخر.
٥. القسوة والجحود — نموذج موسى عليه السلام
العلاقة بين بني إسرائيل وموسى — كما يرسمها القرآن — هي أوضح نموذج للقسوة المقترنة بالجحود. موسى ضحّى بكل شيء من أجلهم: واجه فرعون، وتحمّل الأذى، وقادهم عبر البحر، وصبر على تمرّدهم المتكرر — ومع ذلك قابلوه بالعناد والشكوى والتمرد في كل موقف.
قالوا له حين طُلب منهم دخول الأرض المقدسة: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ — المائدة: 24. هذه العبارة تختزل القسوة والجحود في جملة واحدة: الرجل الذي أنقذكم من العبودية وقادكم إلى الحرية تقولون له "اذهب أنت وربك فقاتلا" — بلا خجل ولا حياء ولا تقدير للتضحية. بل إن العبارة تتضمن وقاحة تتجاوز الجحود إلى الاستهزاء: "إنا هاهنا قاعدون" — سنجلس هنا ننتظر بينما تذهب أنت وربك لتحارب.
وآذوا موسى أذىً شديدًا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَىٰ فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا﴾ — الأحزاب: 69. والأذى هنا ليس جسديًّا فحسب بل أذى نفسي وأخلاقي: اتهموه بعيوب في جسده ونقائص في شخصه — وهو الذي بذل عمره كله في خدمتهم. هذا الجحود لا يصدر إلا عن قلب فقد القدرة على التقدير والامتنان والرحمة — قلب لا يرى في تضحيات الآخرين إلا فرصة لمزيد من المطالب والشكاوى.
القسم الثاني: المرآة الأدبية الأوروبية
١. شايلوك — "أريد رطل اللحم، لا أكثر ولا أقل"
قسوة شايلوك في "تاجر البندقية" ليست من النوع الانفعالي الحار — ليست قسوة رجل غاضب ثائر يفقد السيطرة على نفسه. إنها قسوة باردة محسوبة هادئة — وهذا أشدّ أنواع القسوة رعبًا. حين يقف شايلوك في المحكمة يُطالب بـ"رطل اللحم" من صدر أنطونيو يتحدث بهدوء تام: أريد ما ينصّ عليه العقد — لا أكثر ولا أقل. يحمل ميزانًا ليزن اللحم بالضبط ويحمل سكينًا مسنونًا. بورشيا تسأله: ألا ترحم؟ فيردّ: الرحمة ليست في العقد.
ثم يُلقي شكسبير على لسان بورشيا خطبة من أعظم خطب المسرح الإنجليزي عن الرحمة — "The quality of mercy is not strained, it droppeth as the gentle rain from heaven" — الرحمة ليست مُكرَهة بل تنزل كالمطر اللطيف من السماء على الأرض تحته، وهي مُبارَكة مرتين: تُبارك من يُعطيها ومن يتلقّاها. وشايلوك يسمع هذا كله بلا أي تأثر — كحجر يسمع صوت الماء دون أن يبتلّ. "أريد العقد. أريد رطل اللحم."
وحين يُعرض عليه ضعف المبلغ وثلاثة أضعافه يرفض. وحين تتوسل إليه ابنته — التي هربت منه لأنها لم تعد تحتمل قسوته — لا يتأثر بل يلعنها ويتمنى لو وجدها ميتة وفي أذنها الجوهرة التي سرقتها منه. لاحظ: يتمنى موت ابنته ثم يتذكر الجوهرة — المال يسبق الابنة حتى في سياق الموت. القسوة هنا بنيوية لا ظرفية — فهو لا يقسو لأنه غاضب بل لأن الرحمة غائبة تمامًا عن تكوينه.
وشكسبير يضع في فم شايلوك عبارة كاشفة حين يُسأل: ما ستفعل برطل لحم بشري؟ فيجيب ما معناه: "سأصطاد به السمك — وإن لم يُطعم سمكًا فسيُطعم انتقامي." حتى التبرير غير منطقي — وهذا مقصود من شكسبير: القسوة هنا لا تحتاج إلى مبرر عقلاني لأنها ليست قرارًا عقلانيًّا بل حالة وجودية. هي ما يتبقى من الإنسان حين تُنزع منه الرحمة.
٢. باراباس — القسوة كمنهج حياة
إذا كان شايلوك يُمثّل القسوة الباردة المحسوبة فإن باراباس في "يهودي مالطا" يُمثّل القسوة كمنهج شامل للحياة. باراباس لا يقسو في موقف بعينه بل يقسو في كل شيء: يقتل ابنته حين تتحول إلى المسيحية — لا يكتفي بطردها أو التبرّؤ منها بل يقتلها ويقتل معها دير الراهبات بأكمله بالسمّ. يقتل حبيبَيْها — المسيحيَّيْن — بتدبير مكيدة تجعل كلًّا منهما يقتل الآخر. يُسمّم الآبار. يُدبّر المذابح. يبيع مدينته لجيش الغزاة.
ومارلو — على عكس شكسبير — لا يمنح باراباس أي لحظة إنسانية حقيقية. شايلوك كان له مونولوج شهير — "أليس لليهودي عينان؟ أليس لليهودي يدان؟" — يكشف عن بعد إنساني ولو هشّ. لكن باراباس لا يملك حتى هذا البُعد. إنسانيته ليست مكسورة بل غائبة. وحين يتظاهر بالحنان تجاه ابنته يكون التظاهر مكشوفًا للجمهور منذ البداية — إنه يستخدمها لا يحبها.
وباراباس يتباهى بقسوته. في مونولوج شهير يُعدّد جرائمه بلغة الفخر: "أسير ليلًا فأقتل المرضى الذين يئنّون تحت الجدران... أُسمّم الآبار..." — وكل جملة يُنهيها بما يُشبه الابتسامة الساخرة. التباهي بالقسوة — الذي رأيناه في "قلوبنا غُلف" — يتجسد أدبيًّا في باراباس بأوضح صوره: القسوة ليست عيبًا يُخفى بل إنجازًا يُعلن.
٣. فاجين — القسوة الهادئة في ثوب الرعاية
فاجين عند ديكنز يُمثّل النوع الثالث من القسوة: القسوة المتخفية في ثوب الرعاية. فاجين لا يضرب الأطفال بعنف ولا يصرخ في وجوههم — بل يتعامل معهم بلطف ظاهري وابتسامة دائمة وكلمات حانية: "يا عزيزي" هي عبارته المفضلة في مخاطبة الأطفال. لكن خلف هذا اللطف الظاهري تعمل آلة استغلال لا ترحم: الأطفال مُستعبَدون اقتصاديًّا ونفسيًّا، ومن يُحاول الهرب يُعاقَب بقسوة شديدة لا عبر فاجين مباشرة بل عبر بيل سايكس — الذراع العنيفة لفاجين. أي أن فاجين يحتفظ بمظهر اللطف ويُوكل العنف لغيره — القسوة بالوكالة.
وحين يقترب أوليفر تويست من الإفلات من شبكة فاجين يتحول اللطف فجأة إلى تهديد مُبطّن ثم صريح. المشهد الذي يُريه فيه فاجين لأوليفر صندوق الجواهر المسروقة ثم يُدرك أن الطفل رآه كاشف: عينا فاجين تتحولان فورًا من الدفء المزيّف إلى برودة قاتلة — يُمسك بسكين ويتقدم نحو الطفل بوجه لا أثر فيه للابتسامة السابقة. القسوة الحقيقية كانت موجودة دائمًا خلف القناع — والقناع يسقط فقط حين تتهدد المصلحة.
وديكنز يُصوّر اللحظة الأشدّ قسوة حين يُرسل فاجين نانسي — التي أظهرت تعاطفًا مع أوليفر — إلى حتفها. لا يقتلها بيده بل يُبلغ بيل سايكس بأنها "خانتهم" — وهو يعلم أن سايكس سيقتلها. مرة أخرى: قسوة بالوكالة ويدان نظيفتان وابتسامة هادئة وطفل ميت أو امرأة مقتولة. هذا النموذج — القسوة المتخفية في ثوب الحضارة والنظام والقانون — سيتجلى لاحقًا في صورته الأكبر والأخطر.
٤. النمط المشترك: ثلاث قسوات — وبنية واحدة
الشخصيات الأدبية الثلاث تُمثّل ثلاثة أنماط من القسوة: قسوة شايلوك الباردة القانونية (أريد ما ينصّ عليه العقد)، وقسوة باراباس الشاملة المتباهية (أنا قاسٍ وأفخر بذلك)، وقسوة فاجين المتخفية الحانية (أنا أرعاكم بينما أستغلكم).
لكن البنية العميقة واحدة في الحالات الثلاث: غياب كامل للتعاطف مع الآخر مقترن بـقدرة كاملة على تبرير القسوة. شايلوك يُبرّر قسوته بالعقد والقانون، وباراباس يُبرّرها بظلم المسيحيين له أولًا، وفاجين يُبرّرها بأنه يُوفّر للأطفال مأوى وطعامًا. وكل تبرير يحمل ذرة من الحقيقة تكفي لإسكات الضمير — إن كان هناك ضمير أصلًا.
وهذه البنية — قسوة + تبرير = ضمير مرتاح — هي بالضبط ما يصفه القرآن حين يتحدث عن قسوة أشدّ من الحجر: الحجر لا يُبرّر قسوته — لكن هؤلاء يُبرّرونها ويفخرون بها ويُنسبونها إلى الله. وهذا يجعل قسوتهم أشدّ لأنها مُحصّنة من الداخل ضد أي مراجعة.
القسم الثالث: المرآة الصهيونية المعاصرة
١. التأسيس على القسوة — من دير ياسين إلى اليوم
المشروع الصهيوني لم يبدأ بالتفاوض بل بالمجزرة. مجزرة دير ياسين في أبريل ١٩٤٨ لم تكن "خطأ حربيًّا" بل كانت رسالة مقصودة: قُتل أكثر من مئة مدني — نساء وأطفال وشيوخ — وشُوّهت الجثث وعُرض الناجون في شوارع القدس. والغرض لم يكن عسكريًّا بل نفسيًّا: ترويع الفلسطينيين ودفعهم إلى الفرار من قراهم ومدنهم. وقد نجحت الخطة: موجات الهلع التي أعقبت دير ياسين ساهمت في تهجير مئات الآلاف من الفلسطينيين في ما صار يُعرف بالنكبة.
ومناحيم بيغن — قائد منظمة الإرغون التي نفّذت المجزرة، والذي أصبح لاحقًا رئيسًا لوزراء إسرائيل وحاصلًا على جائزة نوبل للسلام — لم يعتذر عن المجزرة بل افتخر بأثرها الاستراتيجي. كتب في مذكراته ما معناه أن دير ياسين "ساوت ست كتائب" في أثرها العسكري. المجزرة — في حسابه — لم تكن جريمة بل إنجازًا. وهذا التباهي بالقسوة — الذي رأيناه في "قلوبنا غلف" وفي باراباس — يتجسّد هنا في رجل دولة حقيقي يحكم دولة حقيقية ويحصل على جوائز سلام حقيقية.
ودير ياسين لم تكن استثناءً بل نموذجًا: مجازر قبية (١٩٥٣) وكفر قاسم (١٩٥٦) وصبرا وشاتيلا (١٩٨٢) وجنين (٢٠٠٢) — كل واحدة من هذه المجازر كانت عملية مدروسة لا انفلاتًا عشوائيًّا. والنمط واحد في كل مرة: قتل مدنيين عُزّل، ثم تبرير القتل بذريعة أمنية، ثم محاصرة الرواية الأخرى، ثم مكافأة المنفّذين بدلًا من محاسبتهم. القسوة المنهجية المبرَّرة المحميّة — لا القسوة العشوائية العارضة المُدانة.
٢. غزة ٢٠٢٣-٢٠٢٥ — القسوة بلا قناع
ما يحدث في غزة منذ أكتوبر ٢٠٢٣ لا يُشبه أي شيء سابق في الصراع — لا في حجمه ولا في وحشيته ولا في انكشافه. لأول مرة في التاريخ تُبث الإبادة على الهواء مباشرة — والعالم يُشاهد ولا يتحرك. وهذا الانكشاف — بدلًا من أن يُقيّد القسوة — يبدو أنه حرّرها من آخر قيد.
الأرقام وحدها تكشف حجم القسوة: عشرات الآلاف من الشهداء معظمهم من النساء والأطفال. تدمير أكثر من ثلثي المباني السكنية. تدمير كل المستشفيات الكبرى. تدمير المدارس التي كانت تُستخدم ملاجئ للنازحين. تدمير المخابز والمزارع ومحطات المياه. قصف سيارات الإسعاف. قصف مخيمات النازحين. قصف "المناطق الآمنة" التي حددتها إسرائيل نفسها.
لكن الأرقام — على فداحتها — لا تنقل الصورة كاملة. الصورة الكاملة في التفاصيل: أطفال يُستخرجون من تحت الأنقاض بلا أطراف وبلا تخدير وبلا مستشفى يستقبلهم. أمهات يحملن أشلاء أطفالهن في أكياس بلاستيكية. عائلات بأكملها تُمحى من السجل المدني — لم يبقَ منها أحد ليُبلّغ عنها. أطباء يُجرون عمليات بتر بدون تخدير لأن المخدّرات نفدت. أطفال يموتون من الجوع — ليس مجازًا بل حرفيًّا: سوء تغذية حاد يقتل الرُّضّع.
٣. السيلفي على الأنقاض — التباهي بالقسوة في القرن الحادي والعشرين
الظاهرة الأكثر إثارة للرعب في حرب غزة ليست القتل — فالقتل حدث في حروب كثيرة — بل طريقة التعامل مع القتل. جنود إسرائيليون يلتقطون صور سيلفي أمام البيوت المدمرة وهم يبتسمون. جنود يرقصون في شوارع مدمرة بينما حولهم جثث ودمار. جنود يُصوّرون أنفسهم وهم يُفجّرون مبانٍ مدنية ويضحكون. جنود يعبثون بملابس النساء الفلسطينيات الداخلية ويعرضونها أمام الكاميرا. جنود يكتبون عبارات ساخرة على جدران بيوت مدمرة أهلها إما قُتلوا وإما شُرّدوا.
هذا السلوك ليس "تجاوزات فردية" — إنه نمط متكرر موثّق بآلاف المقاطع المصوّرة التي نشرها الجنود أنفسهم على وسائل التواصل الاجتماعي بفخر واعتزاز. لم يُجبرهم أحد على نشر هذه المقاطع — نشروها لأنهم فخورون بما يفعلون ولأن بيئتهم تُكافئهم على هذا الفخر لا تُعاقبهم عليه.
والتقاطع مع النص القرآني مذهل: "قلوبنا غُلف" — قلوبنا محصّنة لن تتأثر. والتقاطع مع باراباس مذهل أيضًا: التباهي بالجريمة وسردها بلغة الافتخار. لكن الفارق أن باراباس شخصية خيالية على خشبة مسرح إليزابيثي — أما هؤلاء فجنود حقيقيون في جيش حقيقي يرتكبون جرائم حقيقية ويتباهون بها أمام العالم الحقيقي.
٤. منع الطعام والماء — القتل بالحرمان
في يناير ٢٠٢٤ أصدرت محكمة العدل الدولية إجراءات مؤقتة تطالب إسرائيل بضمان وصول المساعدات الإنسانية إلى غزة. استجابة إسرائيل كانت تقليص المساعدات بدلًا من زيادتها. وبحلول أوائل ٢٠٢٥ كانت شمال غزة تعيش مجاعة فعلية بكل المعايير الدولية — والقوافل الإنسانية تُمنع من الدخول أو تُقصف أو يُعتدى عليها.
منع الطعام والماء عن مليونَي إنسان هو أقصى صور القسوة لأنه قتل بطيء متعمّد يُراقب فيه القاتل ضحيته وهي تموت يومًا بعد يوم. القصف يقتل في لحظة — لكن التجويع يقتل على مدار أسابيع وأشهر: الطفل يضعف تدريجيًّا ويفقد وزنه ويمرض ثم يموت. والقرار الذي يمنع الطعام عنه ليس قرار جندي في لحظة انفعال بل قرار سياسي عسكري مدروس يُتّخذ في غرفة مكيّفة الهواء بعد دراسة ونقاش وتصويت.
وحين طالب العالم بإدخال المساعدات كان الرد الإسرائيلي المتكرر هو إما الرفض الصريح وإما "السماح" بدخول كميات رمزية تحت الكاميرات ثم منعها فعليًّا بالعوائق البيروقراطية والتفتيش والحصار. اللعبة نفسها: قسوة حقيقية في ثوب إجراءات رسمية — فاجين بابتسامته الهادئة يمنع الطعام عن الأطفال بينما يُعلن أنه يرعاهم.
٥. خطاب التجريد من الإنسانية — القسوة تبدأ باللغة
القسوة بهذا الحجم لا تنشأ من فراغ — بل تحتاج إلى بنية لغوية ونفسية تُمهّد لها. وهذه البنية موجودة في الخطاب الإسرائيلي الرسمي والشعبي. وزير الدفاع الإسرائيلي يوآف غالانت قال في أكتوبر ٢٠٢٣: "نحن نحارب حيوانات بشرية وسنتصرف وفقًا لذلك." رئيس الدولة يتسحاق هرتسوغ قال إنه "لا يوجد مدنيون أبرياء في غزة." أعضاء كنيست طالبوا علنًا بإلقاء قنبلة نووية على غزة أو بتهجير سكانها بالكامل أو بإبادتهم.
هذا الخطاب ليس "تصريحات فردية متطرفة" بل انعكاس لمناخ عام: الفلسطيني في الوعي الإسرائيلي ليس إنسانًا كامل الإنسانية — هو "حيوان بشري" أو "إرهابي" أو "درع بشري" أو في أحسن الأحوال "مدني في بيئة معادية". وحين يُجرَّد إنسان من إنسانيته لغويًّا يصبح قتله مقبولًا نفسيًّا — بل مطلوبًا. القسوة تبدأ دائمًا باللغة: حين تُسمّي الإنسان "حيوانًا" تُعطي نفسك الإذن بمعاملته كحيوان.
والتوازي مع النمط القرآني واضح: "ليس علينا في الأمّيّين سبيل" — تقسيم البشر إلى بشر كاملين (نحن) وبشر ناقصين (هم) — هو البذرة التي تنبت منها كل قسوة. حين تؤمن أنك فوق وأن الآخر تحت يصبح كل شيء مباحًا: القتل والتجويع والتهجير وتدمير المستشفيات وقصف المدارس ومنع الدواء عن الأطفال — كل هذا يُصبح "إجراءات أمنية ضرورية" حين يكون الضحية "حيوانًا بشريًّا" لا إنسانًا.
٦. قسوة المجتمع لا الجيش فقط
من أهم ما كشفته حرب غزة أن القسوة ليست محصورة في الجيش أو الحكومة بل هي حالة مجتمعية شاملة. استطلاعات الرأي الإسرائيلية أظهرت بشكل متكرر أن الأغلبية الساحقة من الجمهور الإسرائيلي تدعم الحرب وترى أن حجم القوة المستخدمة مناسب أو غير كافٍ — ليس مفرطًا. ومظاهرات الإسرائيليين الغاضبة لم تكن ضد الحرب بل ضد دخول المساعدات الإنسانية — حيث اعترض متظاهرون إسرائيليون شاحنات المساعدات المتجهة إلى غزة وأتلفوا محتوياتها بينما الشرطة تتفرج أو تحمي المعترضين.
مجتمع بأكمله يحتجّ لأن أطفالًا يتضوّرون جوعًا على بُعد كيلومترات منه قد تصلهم لقمة طعام — هذا لا يُفسَّر بالخوف الأمني ولا بالغضب المؤقت بل بقسوة بنيوية عميقة تجعل معاناة الآخر غير مرئية أو غير مهمة أو مستحَقّة. وهذا بالضبط ما وصفه القرآن: قلوب أقسى من الحجارة — لأن الحجارة "يتفجر منها الماء" والماء هنا رمز الحياة والرحمة واللين، أما هذه القلوب فلا يتفجر منها شيء ولا يتشقق ولا يخشع.
٧. المنظومة القانونية — تقنين القسوة
القسوة الإسرائيلية ليست "فوضوية" بل مُقنّنة. قوانين الاحتلال تمنح الجيش صلاحيات واسعة في التعامل مع الفلسطينيين: اعتقال إداري بلا تهمة ولا محاكمة لأشهر وسنوات، وهدم بيوت عائلات المتهمين (عقاب جماعي)، وإطلاق النار على المتظاهرين بالرصاص الحي (قُتل عشرات المتظاهرين العُزّل في مسيرات العودة ٢٠١٨-٢٠١٩ على حدود غزة — وبرّأ الجيش الإسرائيلي جنوده في كل حالة تقريبًا). والمحكمة العليا الإسرائيلية — التي يُقدّمها الإعلام الغربي بوصفها "مستقلة وليبرالية" — صادقت مرارًا على هدم البيوت والاعتقال الإداري وحتى على أساليب تحقيق تُصنَّف دوليًّا كتعذيب.
هذا التقنين يعني أن القسوة ليست انحرافًا عن النظام بل جزء من النظام. النظام نفسه مبنيّ على القسوة — والقانون يحميها لا يمنعها. وهذا هو الفرق بين قسوة الأفراد وقسوة البنى: الفرد القاسي يمكن محاسبته إذا كان النظام عادلًا — لكن حين يكون النظام نفسه قاسيًا فمن يُحاسب من؟
وشايلوك — حين طالب بـ"رطل اللحم" — طالب به بموجب القانون. لم يكن يطلب شيئًا غير قانوني — كان يطلب تنفيذ العقد. والقسوة هنا ليست في مخالفة القانون بل في القانون ذاته الذي يُجيز انتزاع لحم إنسان حيّ بسبب دين مالي. وهذا بالضبط ما يحدث في المنظومة الإسرائيلية: القسوة ليست خرقًا للقانون بل تطبيقًا له — والقانون نفسه هو المشكلة.
القسم الرابع: أبعاد تحليلية
١. القسوة كنتيجة منطقية للسمات السابقة
حين نعود إلى السمات التي ناقشناها في الحلقات السابقة نكتشف أن القسوة ليست سمة مستقلة بل نتيجة حتمية للسمات الأربع الأولى مجتمعة:
الاستعلاء يُنتج التجريد من الإنسانية: من يعتقد أنه فوق البشر لا يرى معاناتهم لأنهم ليسوا بشرًا كاملين في عينيه. نقض العهود يُنتج انعدام الثقة المتبادلة: من ينقض كل عهد لا يتوقع وفاءً من الآخر فيستبق بالقسوة. التحريف يُنتج تبرير القسوة: من يُتقن تحريف الكلم يُتقن تحريف الواقع فيُصوّر القسوة رحمةً والإبادة دفاعًا عن النفس. والربا وأكل الأموال بالباطل يُنتج تحويل البشر إلى أرقام: من يتعامل مع الناس كأرقام في دفتر حسابات لا يرى فيهم أرواحًا تستحق الرحمة.
أي أن القسوة هي ثمرة الشجرة كلها لا مجرد غصن فيها. ولهذا وضعها القرآن في سياق تراكمي: "ثمّ قست قلوبكم من بعد ذلك" — من بعد كل ما سبق من آيات رُفضت وعهود نُقضت وحقائق حُرّفت.
٢. "وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ" — دلالة المقارنة المعكوسة
القرآن لا يكتفي بوصف القسوة بل يُقارنها مقارنة معكوسة بالحجارة — والمقارنة لصالح الحجارة. ثلاثة أوجه ذُكرت للحجارة: بعضها يتفجر منه الأنهار (أقصى درجات اللين والعطاء — أنهار لا مجرد قطرات)، وبعضها يتشقق فيخرج منه الماء (درجة أقل لكنها موجودة)، وبعضها يهبط من خشية الله (حتى لو لم يخرج منه ماء فهو يخشع ويتواضع).
المقارنة تقول: أدنى درجات الحجر — الذي لا يتفجر ولا يتشقق — يهبط من خشية الله. أما هذه القلوب فلا تتفجر رحمةً ولا تتشقق تعاطفًا ولا تهبط خشيةً. هي أقل من أدنى درجات الحجر. والماء في القرآن رمز الحياة: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ — الأنبياء: 30. أي أن الحجر فيه حياة — يتفجر منه ما يُحيي الأرض والبشر — أما هذه القلوب فليس فيها حياة تمنحها لغيرها ولا حياة تنبض فيها لنفسها.
وحين نُطبّق هذه الصورة على الواقع المعاصر: المستشفى يُقصف فلا يتشقق قلب. الطفل يُستخرج من الأنقاض ميتًا فلا يتفجّر عين. المجاعة تحصد الرُّضّع فلا يهبط ضمير. العالم يصرخ فلا يتزحزح قرار. الحجر أرحم — لأنه يستجيب لأمر الله، وهؤلاء لا يستجيبون.
٣. القسوة وصناعة "الطبيعي"
أخطر ما في القسوة البنيوية أنها تُحوّل الوحشي إلى طبيعي. حين يعيش مجتمع في ظل منظومة قسوة مستمرة تصبح القسوة خلفية مألوفة لا حدثًا صادمًا. الجندي الإسرائيلي الذي يقصف حيًّا سكنيًّا لا يشعر أنه يرتكب فعلًا استثنائيًّا — إنه "يؤدي مهمته". المستوطن الذي يقتلع أشجار زيتون فلسطينية عمرها مئات السنين لا يشعر بوخز ضمير — إنه "يُوسّع مزرعته". المواطن الإسرائيلي الذي يمنع شاحنة طعام من الوصول إلى أطفال جوعى لا يرى نفسه وحشًا — إنه "يحمي أمن بلده".
هذا التطبيع مع القسوة هو المرحلة الأخيرة في تحوّل القسوة من سلوك إلى بنية: حين لا يعود الفاعل يرى قسوته قسوةً — حين تصبح القسوة "الوضع الطبيعي" — تكتمل الدائرة وتستحيل المراجعة. وهذا بالضبط ما تعنيه عبارة "قلوبنا غُلف": قلوبنا مُغلّفة مُحصّنة — لم نعد نشعر ولم نعد نريد أن نشعر.
الخلاصة: القسوة المُركّبة
ما يكشفه التقاطع بين المرايا الثلاث أن القسوة التي نواجهها ليست بسيطة بل مُركّبة من طبقات: طبقة عقدية (الاستعلاء يُبيح التجريد من الإنسانية)، وطبقة أخلاقية (الأخلاق المزدوجة تُبيح القسوة مع الآخر)، وطبقة نصّية (التحريف يُبرّر القسوة دينيًّا)، وطبقة اقتصادية (تحويل البشر إلى أرقام يُزيل الحاجز النفسي أمام القسوة)، وطبقة قانونية (تقنين القسوة يُحصّنها من المحاسبة)، وطبقة مجتمعية (تطبيع القسوة يُحصّنها من النقد الداخلي).
قلب تُحيط به كل هذه الطبقات لا يمكن أن يلين — لأن اللين يحتاج إلى نفاذ، والنفاذ يحتاج إلى ثغرة، وكل طبقة تسدّ ثغرات الطبقة التي تحتها. ولهذا قال القرآن "أو أشدّ قسوة" — لأن الحجر مهما كان صلبًا يظل مادة واحدة يمكن كسرها بقوة كافية، أما هذه القلوب فمُحصّنة بطبقات متعددة من العقيدة والأخلاق والنص والمال والقانون والمجتمع — ولا تُكسر بالماء ولا بالنار ولا بالدموع ولا بالدماء.
﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾
هذا الختام القرآني ليس تهديدًا فحسب بل تعزية أيضًا: الله ليس غافلًا. حين يبدو أن القسوة تنتصر وأن العدالة غائبة وأن الضحية لا نصير لها — يُذكّرنا القرآن أن هناك من يرى كل شيء ولا يغفل عن شيء. والحساب آتٍ — وإن تأخّر.
في الحلقة القادمة
سننتقل إلى السمة السادسة: الجُبن — ذلك التناقض العجيب بين القسوة والجُبن الذي يرسمه القرآن: ﴿لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ﴾. سنرى كيف أن هذه القسوة الهائلة مقترنة بجُبن عميق — فهم لا يقسون إلا من مأمن: من وراء الجدران، ومن خلف الشاشات، ومن أعلى الطائرات، ومن داخل الدبابات. القسوة على الضعيف والجُبن أمام القوي — وجهان لعملة واحدة سنستكشفها.
تابعونا.
#الشخصية_اليهودية_في_ثلاث_مرايا
#الحلقة_السادسة
Prof. Ossama Mansour
Professor of Neurology & Interventional Neuroradiology, Alexandria University