Back to Blog
Article·March 21, 2026·5 min read

الحلقة الخامسة "وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ" — أكل أموال الناس بالباطل والهيمنة المالية

مدخل: المال ليس محايدًا يميل كثير من الناس إلى التعامل مع المال بوصفه أداة محايدة — وسيلة للتبادل لا لون لها ولا توجّه ولا أيديولوجيا. لكن هذا التصور ساذج وخاطئ. المال في حقيقته منظومة علاقات قوة: من يملك المال يملك القرار، ومن يتحكم في تدفق المال يتحكم في حركة المجتمعات، ومن يُقرض يملك رقبة المُقترض، ومن يحتكر النظام المالي يحتكر مصائر الأمم. وحين يرتبط المال بعقيدة استعلاء ترى في الآخرين كائنات أدنى يحلّ استغلالها — فإن المال يتحول من أداة تبادل إلى أداة استعباد. هذا بالضبط ما يصفه القرآن حين يتحدث عن الربا وأكل أموال الناس بالباطل عند بني إسرائيل. القرآن لا يتحدث عن "مخالفة مالية" بالمعنى التقني الضيق بل عن منظومة هيمنة اقتصادية مرتبطة عضويًّا بعقيدة الاستعلاء والأخلاق المزدوجة والتحريف. الربا ليس منفصلًا عن "نحن أبناء الله وأحباؤه" و"ليس علينا في الأمّيّين سبيل" و"يُحرّفون الكلم عن مواضعه" — بل هو الثمرة الاقتصادية الطبيعية لهذه المنظومة كلها. من يعتقد أنه فوق البشر يستبيح أموالهم، ومن يرى أن الأخلاق لا تسري على تعامله مع غير اليهود يُقرضهم بالربا دون وخز ضمير، ومن يُتقن التحريف يُتقن تصوير الاستغلال بوصفه "خدمة مالية" و"تنمية اقتصادية".

الاقتباس الافتتاحي

﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا ۝ وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ ۚ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ — النساء: 160-161


مدخل: المال ليس محايدًا

يميل كثير من الناس إلى التعامل مع المال بوصفه أداة محايدة — وسيلة للتبادل لا لون لها ولا توجّه ولا أيديولوجيا. لكن هذا التصور ساذج وخاطئ. المال في حقيقته منظومة علاقات قوة: من يملك المال يملك القرار، ومن يتحكم في تدفق المال يتحكم في حركة المجتمعات، ومن يُقرض يملك رقبة المُقترض، ومن يحتكر النظام المالي يحتكر مصائر الأمم. وحين يرتبط المال بعقيدة استعلاء ترى في الآخرين كائنات أدنى يحلّ استغلالها — فإن المال يتحول من أداة تبادل إلى أداة استعباد.

هذا بالضبط ما يصفه القرآن حين يتحدث عن الربا وأكل أموال الناس بالباطل عند بني إسرائيل. القرآن لا يتحدث عن "مخالفة مالية" بالمعنى التقني الضيق بل عن منظومة هيمنة اقتصادية مرتبطة عضويًّا بعقيدة الاستعلاء والأخلاق المزدوجة والتحريف. الربا ليس منفصلًا عن "نحن أبناء الله وأحباؤه" و"ليس علينا في الأمّيّين سبيل" و"يُحرّفون الكلم عن مواضعه" — بل هو الثمرة الاقتصادية الطبيعية لهذه المنظومة كلها. من يعتقد أنه فوق البشر يستبيح أموالهم، ومن يرى أن الأخلاق لا تسري على تعامله مع غير اليهود يُقرضهم بالربا دون وخز ضمير، ومن يُتقن التحريف يُتقن تصوير الاستغلال بوصفه "خدمة مالية" و"تنمية اقتصادية".


القسم الأول: المرآة القرآنية

١. الربا — المحرَّم المُنتهَك

آية النساء التي افتتحنا بها تضع أخذ الربا في سلسلة من الجرائم المترابطة: الظلم، والصدّ عن سبيل الله، وأخذ الربا رغم النهي عنه، وأكل أموال الناس بالباطل. هذا الترتيب ليس عشوائيًّا بل يكشف عن بنية سببية: الظلم (عقيدة واختيار) يُنتج الصدّ عن سبيل الله (محاربة الحق)، الذي يُنتج أخذ الربا (استغلال اقتصادي)، الذي يُنتج أكل أموال الناس بالباطل (نهب شامل).

وعبارة "وقد نُهوا عنه" بالغة الأهمية. التوراة ذاتها — في سفر التثنية وسفر اللاويين وسفر الخروج — تحرّم الربا تحريمًا صريحًا بين بني إسرائيل. لكن المفارقة أن التحريم في النص التوراتي — كما وصل إلينا — يقتصر على التعامل بين اليهود فيما بينهم، بينما يُباح إقراض غير اليهود بالربا. سفر التثنية (٢٣: ١٩-٢٠) يقول ما معناه: "لا تُقرض أخاك بربا... للأجنبي تُقرض بربا لكن لأخيك لا تُقرض بربا". هذا النص التوراتي — سواء كان أصيلًا أم محرَّفًا — يؤسّس لمنظومة اقتصادية مزدوجة المعايير: الربا حرام مع اليهودي وحلال مع غيره. وهذا التطبيق المباشر لمبدأ "ليس علينا في الأمّيّين سبيل" في المجال الاقتصادي.

والقرآن حين يقول "وقد نُهوا عنه" يُشير — في أحد أوجه التفسير — إلى أن النهي الأصلي كان عامًّا يشمل التعامل مع اليهود وغيرهم على حدّ سواء، وأن تخصيص التحريم بالتعامل الداخلي فقط هو جزء من التحريف ذاته. أي أنهم حرّفوا حتى أحكام الربا لتخدم منظومتهم الاستعلائية.

٢. "لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ" — الأساس الأخلاقي للربا

عدنا مرة أخرى إلى هذه الآية المحورية — آل عمران: 75 — لكن هذه المرة ننظر إليها من زاوية اقتصادية بحتة:

﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ۗ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾

"من إن تأمنه بدينار لا يؤدّه إليك إلا ما دمت عليه قائمًا" — أي أنه لا يُعيد حتى الدينار الواحد إلا إذا وقفت فوق رأسه تُلاحقه وتُطالبه. وهذا السلوك ليس ناتجًا عن فقر أو عجز بل عن عقيدة: "ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأمّيّين سبيل". مال غير اليهودي مُستباح — ليس بالسرقة الفجّة فحسب بل بكل وسيلة ممكنة: ربا، واحتيال، وعدم أداء الأمانة، وأكل الحقوق.

والقرآن هنا لا يصف سلوكًا فرديًّا عابرًا بل يكشف عن مبدأ فقهي يعتنقه هؤلاء ويُنسبونه إلى الله: "ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون". أي أن استباحة أموال غير اليهود ليست مجرد ممارسة شعبية بل عقيدة مؤسّسة يُفتي بها الأحبار ويُبرّرونها دينيًّا. هم لا يقولون "نحن نسرق لأننا جشعون" بل يقولون "الله أباح لنا ذلك لأننا شعبه المختار". وهذا الغطاء الديني يجعل الاستغلال الاقتصادي منظومة أخلاقية لا خطيئة أخلاقية.

٣. المال والسلطة — "يَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا"

عبارة "يشترون به ثمنًا قليلًا" تتكرر في القرآن في سياقات مختلفة تتعلق ببني إسرائيل، وهي تكشف عن علاقة جوهرية بين المال والسلطة في سلوكهم:

﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ — البقرة: 41. هنا "الشراء" هو مبادلة آيات الله — أي الحق والهداية — بمكاسب دنيوية مادية. الدين نفسه يصبح سلعة تُباع وتُشترى.

وفي البقرة: 174: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۙ أُولَٰئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ﴾. الكتمان هنا — إخفاء الحق — مدفوع بالمصلحة المالية: "يشترون به ثمنًا قليلًا". الحقيقة تُكتم لأن كشفها يُضرّ بالمصالح المادية. وهذا نمط سنراه يتكرر بصورة مذهلة في علاقة المال بالإعلام والسياسة في العصر الحديث.

والمنظومة كما يصفها القرآن هي: استعلاء يُبرّر الاستغلال، واستغلال يُنتج ثروة، وثروة تُشتري بها السلطة والنفوذ والتأثير، وسلطة تُستخدم لحماية الاستعلاء والاستغلال. حلقة مغلقة يُغذّي فيها كل عنصر العنصر الذي يليه.

٤. قصة البقرة — المال والمساومة حتى مع الله

في سورة البقرة ذاتها — التي سُمّيت بهذا الاسم نسبة إلى هذه القصة — نجد مشهدًا كاشفًا عن علاقة بني إسرائيل بالمال حتى في سياق ديني محض. أمرهم الله أن يذبحوا بقرة — أمر إلهي واضح ومباشر — فبدلًا من الاستجابة الفورية بدأوا سلسلة من الأسئلة: ما لونها؟ ما سنّها؟ ما صفتها؟

﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ ۚ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَٰلِكَ ۖ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ ۝ قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا...﴾ — البقرة: 68-69.

كل سؤال كان يُضيّق عليهم الأمر ويزيد التكلفة، حتى وصلوا إلى بقرة نادرة المواصفات باهظة الثمن: ﴿إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾ — البقرة: 69. وحتى بعد كل هذا التحديد كادوا ألّا يفعلوا: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ — البقرة: 71.

المفسرون ذكروا أن من أسباب ترددهم ارتفاع ثمن البقرة بعد كل هذه المواصفات — وأنهم كانوا يُساومون حتى مع الله على التكلفة. القصة — في أحد أبعادها — تكشف عن ذهنية مالية تحسب كل شيء بمنطق الربح والخسارة، حتى العبادة والطاعة والأمر الإلهي. وهذه الذهنية ليست مجرد حرص على المال — فالحرص على المال موجود عند كل البشر — بل هي تحويل المال إلى المعيار الأعلى الذي يُقاس به كل شيء آخر، بما في ذلك العلاقة مع الله.

٥. الربا كنموذج للعلاقة مع الآخر

الربا في المنظور القرآني ليس مجرد "فائدة مالية زائدة" بل هو نموذج لعلاقة استغلالية يستفيد فيها طرف من حاجة الطرف الآخر ويزيد هذه الحاجة بدلًا من أن يُخفّفها. المُقترض يلجأ إلى القرض لأنه في حاجة — والمُرابي يستغل هذه الحاجة ليزيد عبئها بدلًا من تخفيفها. النتيجة: المحتاج يزداد فقرًا والغني يزداد غنًى — وتتّسع الفجوة باطّراد.

وحين يقترن هذا النموذج بعقيدة "ليس علينا في الأمّيّين سبيل" يصبح الربا أداة هيمنة منهجية: اليهودي يُقرض غير اليهودي بربا، وغير اليهودي يغرق في الديون، والديون تتراكم وتتضخم، والمُقترض يصبح أسيرًا اقتصاديًّا للمُقرض. هذا النموذج المصغّر — الذي كان يعمل على مستوى الأفراد والعائلات في العصور الوسطى — سيتضخم في العصر الحديث ليعمل على مستوى الدول والاقتصادات العالمية.


القسم الثاني: المرآة الأدبية الأوروبية

١. شايلوك — المُرابي الذي أصبح رمزًا

شايلوك في "تاجر البندقية" لشكسبير هو الشخصية الأدبية الأشهر في تاريخ الأدب العالمي المرتبطة بالربا اليهودي. واسمه تحوّل إلى اسم عامّ في اللغة الإنجليزية: يُقال "شايلوك" (Shylock) للإشارة إلى أي مُرابٍ قاسٍ لا يرحم.

لكن شكسبير لا يُقدّم شايلوك بوصفه مجرد "جشع" يُحب المال — هذا تبسيط مُخلّ. شكسبير يُقدّمه بوصفه نظامًا أخلاقيًّا واقتصاديًّا متكاملًا. شايلوك يؤمن بأن الربا حقّ مشروع — ويستشهد بقصة يعقوب ولابان في التوراة ليُثبت أن الذكاء المالي فضيلة إلهية. في حواره مع أنطونيو يقول ما معناه: "يعقوب استخدم ذكاءه مع لابان ليحصل على أفضل الأغنام — وهذا ما أفعله أنا بالربا: أستخدم ذكائي ليعمل مالي لصالحي". الربا عند شايلوك ليس خطيئة بل مهارة، وليس استغلالًا بل إدارة ذكية.

وأنطونيو — التاجر المسيحي — يُمثّل النموذج المقابل: يُقرض بدون فائدة ويُخاطر بماله في التجارة. والصراع بينهما ليس مجرد صراع شخصي بل صراع بين نموذجين اقتصاديين: نموذج التجارة القائم على المخاطرة المشتركة (أنطونيو) ونموذج الربا القائم على الربح المضمون على حساب الآخر (شايلوك). وشكسبير يجعل أنطونيو يقول لشايلوك ما معناه: "أنت تُقرض بالربا فتستعبد الفقراء، وأنا أُقرض بدون ربا فأُحرّرهم — ولهذا أنت تكرهني". هذا الصراع بين نموذجين اقتصاديين سيتحول لاحقًا إلى صراع بين منظومتين عالميتين.

٢. شايلوك والعقد — المال كأداة سلطة لا مجرد ثروة

العنصر الأعمق في شخصية شايلوك — والذي يتجاوز فهمه المبسّط كـ"مُرابٍ جشع" — هو أن شايلوك لا يريد المال بذاته بل يريد السلطة التي يمنحها المال. عقد "رطل اللحم" هو أوضح دليل: شايلوك لا يُقرض أنطونيو من أجل الفائدة المالية — بل يُقرضه بشرط يمنحه سلطة الحياة والموت عليه. المال هنا وسيلة للسيطرة على الجسد ذاته — وهذا أبعد بكثير من الجشع العادي.

وحين يُعرض على شايلوك ضعف المبلغ مقابل التنازل عن "رطل اللحم" يرفض. لو كان جشعًا فحسب لقبل — فالربح المالي المضاعف أفضل من رطل لحم لا قيمة مادية له. لكنه يرفض لأن ما يريده ليس المال بل إثبات أنه يملك السلطة على جسد أنطونيو وحياته. المال أداة للسلطة، والسلطة أداة لإثبات التفوق — والحلقة تعود إلى عقيدة الاستعلاء.

٣. باراباس — ثروة تتحكم في جزيرة

باراباس في "يهودي مالطا" يُقدّم نموذجًا مكمّلًا. في المشهد الافتتاحي يجلس باراباس في مكتبه وحوله أكوام من الذهب والجواهر وسندات التجارة، ويتحدث عن ثروته بلغة تمزج بين الفخر الشخصي والتفوق القومي. يقول ما معناه: "أنا وحدي أملك ثروة تفوق ثروة نصف مالطا". ثم يكشف عن مصادر هذه الثروة: التجارة الدولية بين الشرق والغرب، والإقراض بالفائدة، واستغلال حاجات الناس. ثم يكشف عن غاية هذه الثروة: "المال هو سلاحنا، فنحن لا نملك جيوشًا ولا ممالك — لكننا نملك ما يشتري الجيوش والممالك".

هذا المونولوج الافتتاحي بالغ الأهمية لأنه يكشف عن وعي استراتيجي بدور المال: المال ليس غاية بل أداة للتعويض عن غياب القوة العسكرية والسياسية المباشرة. اليهودي في العالم المسيحي الأوروبي لا يملك جيشًا ولا مملكة ولا سلطة سياسية مباشرة — لكنه يملك المال الذي يشتري كل ذلك. وهذا الوعي — تحويل العجز العسكري إلى هيمنة مالية — سيتحول لاحقًا إلى استراتيجية عالمية ممنهجة.

ومارلو يُظهر كيف يستخدم باراباس ثروته للتحكم في مصير الجزيرة كلها: يُرشي الحاكم، ويُموّل الحروب، ويشتري الولاءات، ويُحرّك الأحداث من خلف الستار. باراباس ليس ملك مالطا ولا حاكمها — لكنه يتحكم فيها أكثر من أي ملك أو حاكم لأنه يتحكم في شريان حياتها: المال.

٤. فاجين — استثمار البشر كرأسمال

فاجين في "أوليفر تويست" يُقدّم المستوى الثالث من العلاقة بالمال: استثمار البشر أنفسهم كرأسمال. فاجين لا يُتاجر بالبضائع ولا يُقرض بالفائدة بل يستثمر في الأطفال — يجمعهم ويُدرّبهم ويُوظّفهم في السرقة ويأخذ معظم العائد. الطفل هنا ليس إنسانًا بل أصل استثماري (asset) — يُنفق عليه الحد الأدنى ليبقى حيًّا وعاملًا، ويُستخرج منه الحد الأقصى من العائد.

وديكنز يرسم فاجين وهو يحسب أرباحه كل ليلة بدقة تاجر محترف: كم سرق كل طفل، وكم تستحق كل قطعة مسروقة، وكم ينبغي أن يُنفق على إطعامهم مقابل ما يُنتجونه. الأطفال في دفاتر فاجين أرقام لا أسماء — أرقام إنتاج واستهلاك لا بشر لهم حقوق ومشاعر. وهذا التحويل — تحويل البشر إلى أرقام في دفتر حسابات — هو الصورة الأدبية لما سيصبح لاحقًا منظومة اقتصادية عالمية تتعامل مع شعوب بأكملها بوصفها "أسواقًا" و"موارد بشرية" و"قوة عمل" لا بوصفها بشرًا لهم كرامة وحقوق.

٥. ثلاثة أدباء ونموذج واحد متصاعد

النموذج الذي يرسمه الأدباء الثلاثة متصاعد في خطورته: شكسبير يرسم الربا كأداة سلطة على الأفراد (شايلوك يتحكم في أنطونيو)، ومارلو يرسم الثروة كأداة سلطة على المجتمعات (باراباس يتحكم في مالطا)، وديكنز يرسم استثمار البشر أنفسهم كرأسمال (فاجين يتحكم في الأطفال). وحين تجمع المستويات الثلاثة تحصل على صورة مكتملة: هيمنة مالية على الأفراد والمجتمعات والبشر أنفسهم — وهذا بالضبط ما تحقق في العصر الحديث على المستوى العالمي.


القسم الثالث: المرآة الصهيونية المعاصرة

١. من المُرابي الفرد إلى النظام المالي العالمي

ما كان في العصور الوسطى مُرابيًا يهوديًّا فردًا يُقرض التجار والأمراء في بلدة أوروبية صغيرة تحوّل في العصر الحديث إلى منظومة مالية عالمية شديدة التعقيد والنفوذ. هذا التحوّل لم يحدث بين عشية وضحاها بل عبر قرون من التراكم والتطور.

عائلة روتشيلد — التي بدأت بمكتب صرافة صغير في فرانكفورت في القرن الثامن عشر — تحوّلت خلال جيل واحد إلى أقوى عائلة مالية في أوروبا. ماير أمشيل روتشيلد أرسل أبناءه الخمسة إلى خمس عواصم أوروبية (لندن وباريس وفيينا ونابولي وفرانكفورت) ليُقيموا شبكة مصرفية عابرة للحدود. وبحلول منتصف القرن التاسع عشر كانت عائلة روتشيلد تُموّل حروب الدول الأوروبية وتُقرض ملوكها وتتحكم في أسعار الذهب والفضة وسندات الدين الحكومية.

والمنطق الذي وصفه مارلو على لسان باراباس — "لا نملك جيوشًا لكننا نملك ما يشتري الجيوش" — تحقق حرفيًّا: روتشيلد مَوّل الحروب النابليونية من الجهتين (أقرض بريطانيا وأقرض فرنسا)، وربح من الجهتين، وبعد واترلو كان يملك معلومات عن نتيجة المعركة قبل الحكومة البريطانية ذاتها — واستغل هذه المعلومات ليجني أرباحًا خيالية من بورصة لندن. المال يشتري المعلومة، والمعلومة تصنع المزيد من المال — والحلقة تدور.

وحين أراد الصهاينة تحقيق مشروعهم في فلسطين كان التمويل جاهزًا: عائلة روتشيلد — وتحديدًا إدموند دي روتشيلد — موّلت المستوطنات الأولى في فلسطين في ثمانينيات القرن التاسع عشر، واشترت الأراضي، وأقامت البنية التحتية. المال الربوي الذي تراكم عبر قرون من إقراض أوروبا تحوّل إلى مشروع استعماري استيطاني في فلسطين.

٢. وول ستريت والنفوذ المالي الأمريكي

في الولايات المتحدة تحوّل النفوذ المالي اليهودي إلى مستوى جديد. بنوك الاستثمار الكبرى التي هيمنت على وول ستريت خلال القرن العشرين — غولدمان ساكس، وليمان براذرز، وبير ستيرنز، وسالومون براذرز، وغيرها — أسّسها مصرفيون يهود. والاحتياطي الفيدرالي الأمريكي — الذي يتحكم في السياسة النقدية لأكبر اقتصاد في العالم — أُسّس عام ١٩١٣ بدور رئيسي من مصرفيين يهود أبرزهم بول واربورغ.

هذا لا يعني أن كل مصرفي في أمريكا يهودي ولا أن كل يهودي مصرفي — فالاقتصاد الأمريكي ضخم ومتنوع. لكنه يعني أن الحضور اليهودي في قمة الهرم المالي الأمريكي — والغربي عمومًا — حضور غير متناسب بصورة لافتة مع نسبتهم السكانية. اليهود يُشكّلون نحو ٢٪ من سكان الولايات المتحدة لكنهم يشغلون نسبة أعلى بكثير في مجالس إدارات البنوك الكبرى وصناديق الاستثمار ومؤسسات التمويل. وهذا الحضور غير المتناسب ليس صدفة ولا مؤامرة بل نتاج تراكم تاريخي طويل: التخصص في الإقراض والصرافة والتجارة المالية عبر قرون حوّل هذا القطاع إلى "مهنة عائلية" تنتقل عبر الأجيال مع شبكات العلاقات والخبرات والنفوذ.

٣. المساعدات الأمريكية لإسرائيل — ربا بالمقلوب

المفارقة الكبرى في العلاقة المالية بين إسرائيل والولايات المتحدة أنها تعمل بمنطق يبدو معكوسًا ظاهريًّا لكنه يتّسق تمامًا مع النمط: الولايات المتحدة تمنح إسرائيل أكثر من ٣.٨ مليار دولار سنويًّا كمساعدات عسكرية (وفق مذكرة التفاهم الموقّعة عام ٢٠١٦)، وهذا يجعل إسرائيل أكبر متلقٍّ للمساعدات الأمريكية في العالم رغم أنها ليست دولة فقيرة — ناتجها المحلي الإجمالي للفرد يتجاوز ناتج عدة دول أوروبية.

كيف تحصل دولة غنية على أكبر حصة من المساعدات الأمريكية؟ من خلال النفوذ المالي والسياسي لمنظمات اللوبي الإسرائيلي — وأبرزها "إيباك" (AIPAC) — التي تُموّل حملات أعضاء الكونغرس وتتحكم في توجهاتهم. والمعادلة واضحة: المال اليهودي يُموّل الحملات الانتخابية، والمنتخَبون يُصوّتون لصالح المساعدات لإسرائيل، والمساعدات تُنفق على أسلحة أمريكية الصنع — فيعود المال إلى شركات السلاح الأمريكية التي يملك كثير منها مستثمرون مرتبطون بالمنظومة ذاتها. الحلقة مغلقة ومربحة لكل أطرافها — إلا دافع الضرائب الأمريكي والضحية الفلسطيني.

٤. صندوق النقد الدولي والبنك الدولي — ربا بحجم كوكب

النموذج الأكبر والأخطر للربا المعاصر ليس فرديًّا ولا وطنيًّا بل عالمي مؤسسي. صندوق النقد الدولي والبنك الدولي — اللذان أُسّسا عام ١٩٤٤ في مؤتمر بريتون وودز — يعملان بمنطق الإقراض بالفائدة المشروطة: تُقرض الدول الفقيرة بشروط "إصلاح هيكلي" تتضمن خصخصة الخدمات العامة وتحرير الأسواق وفتح الأبواب أمام الاستثمار الأجنبي. النتيجة: الدول المُقترضة تدخل في دوّامة ديون لا تنتهي، وتفقد سيطرتها على اقتصاداتها، وتصبح تابعة للمنظومة المالية الدولية. وهذا هو نموذج شايلوك مُكبَّرًا إلى حجم كوكب: الإقراض بشروط تضمن استمرار الحاجة واستمرار الإقراض واستمرار الربح واستمرار التبعية.

لا أقول إن صندوق النقد والبنك الدولي "مؤسسات يهودية" بالمعنى المباشر — فهي مؤسسات دولية معقدة يشارك فيها أطراف كثيرة. لكن المنطق الذي تعمل به هذه المؤسسات — إقراض المحتاجين بشروط تزيد حاجتهم — هو منطق الربا الذي وصفه القرآن وجسّده شكسبير ومارسه المُرابون اليهود عبر القرون. والنموذج لم يتغير — تغيّر الحجم فقط.

٥. الحصار الاقتصادي على غزة — المال كسلاح إبادة

أشد تجليات الهيمنة المالية وحشيةً وأكثرها فضحًا للنمط هو حصار غزة. منذ عام ٢٠٠٧ تفرض إسرائيل حصارًا اقتصاديًّا خانقًا على قطاع غزة — تتحكم في كل ما يدخل ويخرج: الغذاء والدواء والوقود ومواد البناء والمال. وقد كشفت وثائق إسرائيلية أن الجيش كان يحسب عدد السعرات الحرارية اللازمة لإبقاء سكان غزة أحياء دون أن يتضوروا جوعًا فعليًّا — أي يحسب الحد الأدنى الذي يمنع المجاعة المرئية التي تُسبّب إدانة دولية، دون أن يسمح بحياة كريمة أو اقتصاد قابل للحياة.

هذا الحساب الدقيق للسعرات الحرارية هو الصورة المعاصرة لفاجين وهو يحسب كم يُنفق على إطعام الأطفال مقابل ما يُنتجونه. المنطق واحد: إبقاء الضحية حيّة بالحد الأدنى لأنها تخدم مصلحة ما — في حالة غزة مصلحة إبقاء الضغط السياسي والأمني والديموغرافي — مع حرمانها من أي فرصة للاستقلال أو الازدهار أو الكرامة.

وبعد أكتوبر ٢٠٢٣ تحوّل الحصار إلى تجويع كامل ومنع شامل للمساعدات وتدمير منهجي لكل بنية اقتصادية — مزارع ومصانع ومخابز وآبار مياه وشبكات كهرباء. المال هنا لم يعد أداة استغلال بل أداة إبادة: حرمان شعب من كل مقوّمات الحياة الاقتصادية لدفعه إلى الموت أو الرحيل.

٦. "أكل أموال الناس بالباطل" — المصطلح القرآني في صورته المعاصرة

القرآن لم يقل "سرقة أموال الناس" بل قال "أكل أموال الناس بالباطل" — و"الأكل" هنا أبلغ من السرقة لأنه يعني الاستهلاك الكامل والإفناء: المسروق منه قد يستردّ ماله لكن المأكول لا يعود. و"الباطل" يعني أن الأكل يتم بوسائل تبدو مشروعة ظاهريًّا (عقود، قروض، اتفاقيات، قوانين) لكنها باطلة في جوهرها لأنها قائمة على الاستغلال والخداع.

وهذا الوصف ينطبق بدقة على المنظومة المالية الصهيونية المعاصرة: مصادرة الأراضي الفلسطينية تتم بـ"قوانين" إسرائيلية تبدو "شرعية" — لكنها أكل أموال بالباطل. الاستيلاء على الموارد المائية الفلسطينية يتم بـ"اتفاقيات" أوسلو المائية — لكنه أكل أموال بالباطل. فرض ضرائب على الفلسطينيين دون تمثيل ثم حجب عائداتها الضريبية كورقة ضغط سياسي — أكل أموال بالباطل. تدمير البنية الاقتصادية الفلسطينية ثم عرض "مساعدات إنسانية" مشروطة — أكل أموال بالباطل. كل هذا يتم تحت غطاء قانوني ومؤسسي يمنحه شكل المشروعية — "ليشتروا به ثمنًا قليلًا".


الخلاصة: المال في خدمة الاستعلاء

ما يكشفه التقاطع بين المرايا الثلاث أن المال في هذا النمط ليس غاية بذاته بل أداة في خدمة عقيدة الاستعلاء. السلسلة واضحة: الاستعلاء يُنتج أخلاقًا مزدوجة ("ليس علينا في الأمّيّين سبيل")، والأخلاق المزدوجة تُبيح الاستغلال المالي (الربا وأكل الأموال بالباطل)، والاستغلال المالي يُنتج ثروة وسلطة، والسلطة تُستخدم لتعزيز الاستعلاء وحمايته — والحلقة لا تنتهي.

القرآن وصف هذه الحلقة، وشكسبير ومارلو وديكنز رسموها في شخصيات حيّة، والواقع الصهيوني والمالي العالمي المعاصر يُطبّقها على نطاق غير مسبوق. والتحدي اليوم ليس في كشف الحلقة — فهي مكشوفة لمن يريد أن يرى — بل في كسرها.


في الحلقة القادمة

سننتقل إلى السمة الخامسة: قسوة القلب — "ثمّ قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشدّ قسوة". سنرى كيف يصف القرآن قسوة بلغت أن جعلها أشدّ من الحجارة، وكيف تجلّت هذه القسوة في المشهد الأدبي الأوروبي، وكيف تتجلى اليوم في صور القتل والتجويع والتدمير الممنهج في غزة — حيث يرقص الجنود على أنقاض البيوت ويحتفلون بقصف المستشفيات ويمنعون الماء عن الأطفال ثم يبتسمون للكاميرا.

تابعونا.


#الشخصية_اليهودية_في_ثلاث_مرايا
#الحلقة_الخامسة

OM

Prof. Ossama Mansour

Professor of Neurology & Interventional Neuroradiology, Alexandria University

Discussion (0)

Leave a Comment

Comments are reviewed before publication.