Back to Blog
Article·March 21, 2026·5 min read

الحلقة الثالثة "أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ" — نقض العهود والمواثيق

مدخل: العهد — أساس الحضارة الإنسانية قبل أن نتحدث عن نقض العهد، لا بدّ أن نفهم أولًا ما يعنيه العهد في المنظور الحضاري الإنساني. العهد — أو الميثاق أو العقد أو المعاهدة — ليس مجرد ورقة تُوقَّع أو كلام يُقال. العهد هو الأساس الذي تقوم عليه كل علاقة بشرية: بين الفرد وربّه، وبين الفرد والفرد، وبين الجماعة والجماعة، وبين الدولة والدولة. بدون العهد لا توجد ثقة، وبدون الثقة لا يوجد مجتمع، وبدون المجتمع لا توجد حضارة. ولهذا فإن نقض العهد ليس مجرد "كذب" أو "خيانة" بالمعنى الفردي البسيط — بل هو تقويض لأساس الوجود الاجتماعي الإنساني كله. والمفارقة العميقة أن بني إسرائيل — من بين كل الأقوام — هم الذين ينبغي أن يكونوا أكثر الناس التزامًا بالعهد، لأن ديانتهم بأكملها مبنية على فكرة العهد. "العهد القديم" — الذي هو اسم كتابهم المقدس — يعني حرفيًّا "الميثاق القديم" بين الله وإبراهيم ثم بين الله وموسى وبني إسرائيل. دينهم عهد، وكتابهم عهد، وعلاقتهم بالله عهد — ومع ذلك فإن النمط الذي يصفه القرآن ويشهد عليه التاريخ هو أنهم أكثر الناس نقضًا للعهود. هذا التناقض بين المركزية النظرية للعهد والنقض العملي المتكرر له هو ما يجعل هذه السمة بالغة الدلالة.

الاقتباس الافتتاحي

﴿الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ﴾ — الأنفال: 56


مدخل: العهد — أساس الحضارة الإنسانية

قبل أن نتحدث عن نقض العهد، لا بدّ أن نفهم أولًا ما يعنيه العهد في المنظور الحضاري الإنساني. العهد — أو الميثاق أو العقد أو المعاهدة — ليس مجرد ورقة تُوقَّع أو كلام يُقال. العهد هو الأساس الذي تقوم عليه كل علاقة بشرية: بين الفرد وربّه، وبين الفرد والفرد، وبين الجماعة والجماعة، وبين الدولة والدولة. بدون العهد لا توجد ثقة، وبدون الثقة لا يوجد مجتمع، وبدون المجتمع لا توجد حضارة. ولهذا فإن نقض العهد ليس مجرد "كذب" أو "خيانة" بالمعنى الفردي البسيط — بل هو تقويض لأساس الوجود الاجتماعي الإنساني كله.

والمفارقة العميقة أن بني إسرائيل — من بين كل الأقوام — هم الذين ينبغي أن يكونوا أكثر الناس التزامًا بالعهد، لأن ديانتهم بأكملها مبنية على فكرة العهد. "العهد القديم" — الذي هو اسم كتابهم المقدس — يعني حرفيًّا "الميثاق القديم" بين الله وإبراهيم ثم بين الله وموسى وبني إسرائيل. دينهم عهد، وكتابهم عهد، وعلاقتهم بالله عهد — ومع ذلك فإن النمط الذي يصفه القرآن ويشهد عليه التاريخ هو أنهم أكثر الناس نقضًا للعهود. هذا التناقض بين المركزية النظرية للعهد والنقض العملي المتكرر له هو ما يجعل هذه السمة بالغة الدلالة.


القسم الأول: المرآة القرآنية

١. العهد الأول — الميثاق مع الله عند الطور

القرآن يُوثّق المشهد التأسيسي الذي أُخذ فيه الميثاق على بني إسرائيل: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ۝ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَٰلِكَ ۖ فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ — البقرة: 63-64.

المشهد هنا مهيب ومخيف: الله يرفع فوقهم الجبل — جبل الطور — بوصفه شاهدًا وضاغطًا وتذكيرًا بجدّية العهد، ويقول لهم: خذوا ما أعطيناكم بقوة وجدّية واذكروا ما فيه. فما كان ردّهم؟ "ثمّ تولّيتم من بعد ذلك" — تولّوا وأعرضوا. ليس بعد سنوات طويلة بل بعد هذا المشهد المباشر المهيب. حرف "ثمّ" هنا يدل على الترتيب والتعقيب — أي أن النقض جاء لاحقًا لأخذ الميثاق بشكل مباشر وكأنه نتيجة طبيعية متوقعة.

٢. النمط المتكرر — "أَوَكُلَّمَا"

ما يميز الوصف القرآني لنقض العهد عند بني إسرائيل أنه لا يصفه بوصفه حادثة واحدة أو خطأ عابرًا بل بوصفه نمطًا بنيويًّا مستمرًّا. والأداة اللغوية الكاشفة هنا هي "كلّما":

﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ — البقرة: 100.

"أَوَكُلّمَا" — الهمزة هنا للاستفهام الإنكاري التعجبي، و"كلما" تدل على التكرار المطّرد. المعنى: أفي كلّ مرة يُبرم فيها عهد ينقضه فريق منهم؟ هل هذا النقض صار قاعدة ثابتة وليس استثناءً؟ والجواب ضمني: نعم. ثم يُضيف: "بل أكثرهم لا يؤمنون" — وهذا يربط نقض العهد بغياب الإيمان الحقيقي. من لا يؤمن حقًّا لا يلتزم حقًّا — والعهد التزام.

وفي آية الأنفال: ﴿الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ﴾ — الأنفال: 56.

"في كلّ مرة" — هذا التعبير صريح وقاطع: ليس أحيانًا ولا غالبًا بل في كل مرة. العهد عندهم — بوصفه نمطًا غالبًا لا حكمًا مطلقًا على كل فرد — هو مرحلة مؤقتة تُستخدم لتحقيق مصلحة آنية، فإذا انتفت المصلحة أو تبدّلت موازين القوة نُقض العهد دون تردد.

٣. أنواع العهود المنقوضة في القرآن

القرآن لا يتحدث عن نقض عهد واحد بل يُوثّق نقض أنواع متعددة من العهود، وكأنه يقول: النقض لا يتعلق بنوع العهد بل بطبيعة الناقض:

العهد مع الله بالطاعة والعبادة: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾ — البقرة: 83. لاحظ شمولية الميثاق: عبادة الله وحده، والإحسان للوالدين والأقارب واليتامى والمساكين، والقول الحسن للناس، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة. ولاحظ شمولية النقض أيضًا: "ثم توليتم إلا قليلًا منكم وأنتم معرضون" — إعراض شامل عن الميثاق بكل بنوده، لم يسلم منه إلا القليل.

العهد بعدم سفك الدماء: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ ۝ ثُمَّ أَنْتُمْ هَٰؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ — البقرة: 84-85. هذا النص بالغ الأهمية: الميثاق واضح ومحدد — لا تسفكون الدماء ولا تُخرجون الناس من ديارهم — وهم أقرّوا به وشهدوا على أنفسهم. ثم ماذا فعلوا؟ بالضبط ما عاهدوا ألّا يفعلوه: قتلوا وأخرجوا وتظاهروا بالإثم والعدوان. والمذهل أن هذا الوصف القرآني لنقض ميثاق "لا تسفكون دماءكم ولا تُخرجون أنفسكم من دياركم" يبدو وكأنه كُتب تعليقًا على ما يجري في فلسطين اليوم — سفك الدماء وإخراج الناس من ديارهم هما بالضبط ما تقوم عليه الممارسة الصهيونية منذ ١٩٤٨.

العهد بالإيمان بالرسل: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۖ فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ — آل عمران: 187. العهد هنا أن يُبيّنوا الكتاب للناس ولا يكتموه — فنبذوه وراء ظهورهم. وكلمة "نبذوه" تُصوّر فعل الرمي والإلقاء والتخلص — لم يُهملوا الكتاب سهوًا بل رموه خلفهم عمدًا وبقرار واعٍ. ثم اشتروا بهذا النبذ "ثمنًا قليلًا" — مصالح دنيوية زائلة.

٤. تشريح آلية النقض — ليس عشوائيًّا بل منهجيًّا

ما يكشفه القرآن ليس مجرد أن بني إسرائيل نقضوا عهودهم — فكثير من الأقوام نقضت عهودها عبر التاريخ — بل يكشف عن آلية محددة ومنهجية في النقض تتكون من عدة مراحل:

المرحلة الأولى هي القبول الظاهري: يقبلون العهد ويوقّعون ويشهدون ويُقرّون — "ثم أقررتم وأنتم تشهدون". القبول يبدو كاملًا وصادقًا.

المرحلة الثانية هي التبييت الداخلي: حتى لحظة القبول هناك نيّة مبيّتة بعدم الالتزام. القرآن يصف هذا المعنى حين يقول: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَىٰ أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ — المائدة: 14. "فنسوا" — والنسيان هنا ليس نسيانًا حقيقيًّا بل تناسٍ وإهمال متعمّد.

المرحلة الثالثة هي التدرج في النقض: لا يُنقض العهد دفعة واحدة بل تدريجيًّا — بند بند، وشرط بشرط، واستثناء بعد استثناء — حتى يصبح العهد شكلًا فارغًا من كل مضمون.

المرحلة الرابعة هي التبرير والتغطية: حين يُكشف النقض لا يُعترف به بل يُغطّى بتبرير ديني أو قانوني أو أخلاقي: "ليس علينا في الأمّيّين سبيل"، "لن تمسنا النار إلا أيامًا معدودة"، "نحن أبناء الله وأحباؤه" — كل عبارة من هذه العبارات يمكن أن تُستخدم كمبرر لنقض أي عهد مع غير اليهود لأنهم أصلًا لا يستحقون الوفاء.

٥. العلاقة بين نقض العهد وعقيدة الاستعلاء

وهنا نعود إلى ما أسسناه في الحلقة الثانية: نقض العهد ليس سمة مستقلة بل هو ثمرة طبيعية لعقيدة الاستعلاء. من يعتقد أنه فوق البشر الآخرين فإن العهد الذي يُبرمه مع هؤلاء البشر الأدنى ليس ملزمًا حقًّا — لأن العهد الملزم لا يكون إلا بين أنداد، أو بين الأدنى والأعلى. أما العهد مع من هو أدنى فهو أشبه بـ"الإذن المؤقت" الذي يمكن سحبه في أي وقت.

ولهذا يربط القرآن بين النقض والاستعلاء في آية واحدة: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَىٰ أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ — البقرة: 87. الاستكبار هو السبب، والتكذيب والقتل هما النتيجة. وحتى الرسل — وهم مبعوثون من الله الذي عاهدوه — يُنقض العهد معهم حين يأتون بما لا تهوى أنفسهم. أي أن المعيار الوحيد عندهم ليس العهد ولا الحق بل "ما تهوى أنفسهم" — المصلحة والهوى.


القسم الثاني: المرآة الأدبية الأوروبية

١. شايلوك وعقد "رطل اللحم" — الوجه الآخر للعهد

عدنا إلى شكسبير وشايلوك، لكن هذه المرة ننظر إلى المسرحية من زاوية مختلفة: زاوية العهد والعقد. مسرحية "تاجر البندقية" في جوهرها مسرحية عن عقد — عقد القرض بين شايلوك وأنطونيو — وعن كيفية التعامل مع هذا العقد.

شايلوك يُصرّ على حرفية العقد إصرارًا مطلقًا: العقد ينصّ على رطل من اللحم، وأنا أطالب برطل من اللحم. لا أقبل بديلًا، لا أقبل تعويضًا ماليًّا مضاعفًا، لا أقبل رحمة ولا شفاعة. العقد هو العقد. وهذا للوهلة الأولى يبدو نقيض نقض العهد — يبدو وكأنه تمسّك مبالغ فيه بالعهد لا نقض له.

لكن انظر بعمق أكبر: شايلوك لا يتمسّك بالعهد لأنه يؤمن بقدسية العهود بل لأن هذا العهد بالذات يخدم مصلحته ويُشبع رغبته في الانتقام. وهذا هو جوهر الموقف من العهد في النمط الذي يصفه القرآن: العهد أداة لا قيمة، يُتمسّك به حين يخدم المصلحة ويُنقض حين لا يخدمها. شايلوك نفسه لم يكن ليتمسك بحرفية أي عقد يُلزمه هو بشيء ضد مصلحته — لكنه يتمسك بحرفية هذا العقد لأنه يمنحه سلطة على خصمه.

وشكسبير يكشف هذه الازدواجية حين تقف بورشيا — متنكرة بزي المحامي — وتقلب السلاح على شايلوك بالمنطق ذاته: تقول له أنت تريد حرفية العقد؟ حسنًا، العقد ينصّ على رطل من اللحم فقط — لم ينصّ على قطرة دم واحدة. فإن أرقت دمًا واحدًا وأنت تقطع اللحم فقد خرقت القانون. حين تُطبَّق الحرفية على شايلوك نفسه ينهار موقفه — لأنه لم يكن يريد العدالة بل كان يريد السلطة.

٢. "يهودي مالطا" — باراباس ونقض كل عهد

في مسرحية مارلو، باراباس ينقض كل عهد يُبرمه: يعد بالولاء لحاكم مالطا ثم يتآمر عليه، ويعد بالتحالف مع الأتراك ثم يتآمر عليهم، ويعد ابنته بالحماية ثم يتسبب في هلاكها، ويعد شريكه إيثامور بالثروة ثم يحاول قتله. كل علاقة عند باراباس هي علاقة عهد مؤقت يُنقض حين تنتفي المصلحة.

والمفارقة التي يرسمها مارلو بذكاء أن باراباس في كل مرة ينقض فيها عهدًا يُقدّم لنفسه تبريرًا أخلاقيًّا: هم ظلموني أولًا، هم خانوني أولًا، هم لا يستحقون الوفاء. المنطق ذاته: المظلومية تُبرّر النقض، والتفوق يُبيحه.

والأهم من أفعال باراباس الفردية هو الحكمة التي يُعبّر عنها صراحة حين يقول لابنته ما معناه: "في هذا العالم يجب أن تُظهري الولاء للجميع ولا تكوني مخلصة لأحد". هذه ليست مجرد نصيحة أب لابنته بل هي فلسفة في التعامل مع العهود: العهد قناع خارجي لا التزام داخلي — تُظهره حين يخدمك وتخلعه حين لا يخدمك.

٣. فاجين في "أوليفر تويست" — عقد الولاء الزائف

فاجين في رواية ديكنز يُقيم مع أطفاله علاقة تبدو كعقد ولاء متبادل: أنا أؤويكم وأُطعمكم وأحميكم، وأنتم تعملون لي (أي تسرقون لي). لكن هذا العقد — كما يكشف ديكنز تدريجيًّا — مزيف من طرف واحد. فاجين لا يحمي أحدًا حين تضيق الأمور، ولا يتردد في التضحية بأي طفل لإنقاذ نفسه، ولا يشعر بأي التزام حقيقي تجاه من أعطاهم عهد الحماية. العقد عنده أداة سيطرة لا ميثاق وفاء.

وحين يحاول أوليفر تويست الخروج من عصابة فاجين، يتعامل فاجين مع هذا الخروج لا بوصفه حقًّا طبيعيًّا بل بوصفه خيانة — لأن العهد في منطق فاجين ملزم للطرف الآخر فقط وغير ملزم له هو. وهذا بالضبط ما يصفه القرآن: عهد يُلزم الآخرين ولا يُلزم صاحبه.

٤. النمط الأدبي — ملاحظة عابرة للقرون

في المسرحيات والروايات الثلاث — يهودي مالطا، وتاجر البندقية، وأوليفر تويست — نجد الشخصية اليهودية تتعامل مع العهد بمنطق واحد رغم اختلاف السياقات والعصور: العهد وسيلة لا غاية، يُبرم لتحقيق مصلحة ويُنقض حين تنتفي هذه المصلحة أو حين يصبح النقض أكثر ربحًا من الوفاء. وهذا الرصد المتكرر عبر ثلاثة قرون من أدباء مختلفين لا يمكن تفسيره بمجرد "التحامل" — لأن التحامل الأعمى لا يُنتج رصدًا دقيقًا ومتسقًا بهذا الشكل.

يُضاف إلى ذلك أن الأدباء الأوروبيين لم يكونوا يتآمرون مع بعضهم ولم يكونوا ينسخون عن بعضهم — شكسبير تأثر بمارلو قليلًا نعم، لكن ديكنز كتب في سياق مختلف تمامًا. ما يوحّد ملاحظاتهم هو الواقع المُلاحَظ لا التواطؤ المُبيَّت.


القسم الثالث: المرآة الصهيونية المعاصرة

١. نقض وعد بلفور ذاته — المفارقة الأولى

لنبدأ من المفارقة الأولى: حتى وعد بلفور (١٩١٧) — الوثيقة التي منحت الحركة الصهيونية أساسها القانوني الدولي — تضمّن شرطًا صريحًا: "على ألّا يُفعل شيء يُلحق الضرر بالحقوق المدنية والدينية للمجتمعات غير اليهودية القائمة في فلسطين". هذا الشرط نُقض فورًا وبالكامل — ولا يزال يُنقض حتى هذه اللحظة. الحركة الصهيونية قبلت الوعد بشرطه، ثم تصرفت وكأن الشرط لم يكن موجودًا أصلًا.

والأكثر دلالة أن قادة الحركة الصهيونية لم يكونوا ينوون الالتزام بهذا الشرط منذ البداية. حاييم وايزمان — الذي أقنع البريطانيين بإصدار الوعد — كان يقول في مراسلاته الخاصة ما يناقض تمامًا ما يقوله في العلن. وبن غوريون نفسه قال عام ١٩٣٧ في رسالة لابنه عاموس بشأن مقترح تقسيم فلسطين: "الدولة اليهودية المقترحة الآن ستُقدّم لنا لا ستُقدّمها لنا — لأننا بعد أن نصبح أقوياء بما يكفي سنُلغي التقسيم ونتوسع في كل أرض إسرائيل". هذا نصّ صريح: قبول التقسيم ليس عهدًا حقيقيًّا بل مرحلة مؤقتة تُنقض حين تتبدل موازين القوة.

٢. قرار التقسيم ١٩٤٧ — العهد الذي نُقض قبل أن يجفّ حبره

في نوفمبر ١٩٤٧ صدر قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم ١٨١ بتقسيم فلسطين إلى دولة يهودية ودولة عربية. الحركة الصهيونية قبلته رسميًّا — لكن ما فعلته على الأرض كان نقيض ما قبلته على الورق.

قبل أن ينتهي الانتداب البريطاني رسميًّا في مايو ١٩٤٨ كانت العصابات الصهيونية — الهاغاناه والإرغون وشتيرن — قد بدأت عمليات التطهير العرقي فيما عُرف بـ"خطة داليت" (Plan Dalet). احتلّت أراضي خُصّصت للدولة العربية بحسب قرار التقسيم، وطردت سكانها، ودمّرت قراهم. بحلول مايو ١٩٤٨ — أي قبل إعلان الدولة رسميًّا — كان أكثر من ٢٠٠ ألف فلسطيني قد طُردوا بالفعل من ديارهم، وكانت عشرات القرى قد دُمّرت.

بعبارة أخرى: القرار الدولي الذي استُخدم لتبرير قيام إسرائيل نُقض من إسرائيل نفسها لحظة استخدامه. هو صالح بوصفه وثيقة تمنحهم دولة لكنه لاغٍ بوصفه وثيقة تمنح الفلسطينيين دولة أيضًا. هذا ليس تناقضًا عرضيًّا بل تطبيق دقيق لمنطق العهد كأداة أحادية: يُلزم الآخرين ولا يُلزمني.

٣. اتفاقيات جنيف — العهد الدائم النقض

إسرائيل وقّعت على اتفاقيات جنيف الأربع (١٩٤٩) التي تُنظّم قوانين الحرب وحماية المدنيين. ثم أمضت العقود التالية تنقض كل بند فيها بصورة منهجية:

الاتفاقية الرابعة تحظر نقل سكان الدولة المُحتلّة إلى الأراضي المحتلة — وإسرائيل بنت مئات المستوطنات ونقلت مئات الآلاف من مستوطنيها إلى الضفة الغربية والقدس وغزة (قبل ٢٠٠٥) والجولان. الاتفاقية تحظر العقاب الجماعي — وإسرائيل تُمارسه يوميًّا بهدم بيوت عائلات المقاومين وحصار غزة وإغلاق المعابر. الاتفاقية تحظر التهجير القسري — وإسرائيل هجّرت ملايين الفلسطينيين ولا تزال تُهجّر. الاتفاقية توجب حماية المنشآت المدنية — وإسرائيل تقصف المستشفيات والمدارس ودور العبادة والمخيمات.

والنمط ثابت: إسرائيل لم تنسحب من اتفاقيات جنيف رسميًّا — لأنها تحتاج إليها كغطاء دولي وكدليل على "احترامها للقانون الدولي" — لكنها لا تلتزم بأي بند فيها عمليًّا. العهد قائم شكلًا ومنقوض مضمونًا.

٤. اتفاقية أوسلو ١٩٩٣ — النموذج الأكمل

لو أردت اختيار نموذج واحد يختزل نمط نقض العهد الصهيوني في صورته الأكمل والأوضح فهو اتفاقية أوسلو. في سبتمبر ١٩٩٣ وقّعت إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية اتفاقية أوسلو على أساس أنها ستؤدي خلال خمس سنوات إلى قيام دولة فلسطينية على أراضي ١٩٦٧.

ما حدث بعدها كان التطبيق الحرفي لآلية النقض الرباعية التي وصفها القرآن:

القبول الظاهري: إسرائيل وقّعت وصافحت وابتسمت وحصل رابين وبيريز وعرفات على جائزة نوبل للسلام. المشهد كان مكتملًا.

التبييت الداخلي: رابين نفسه — "شريك السلام" المفترض — قال في خطابه الأخير أمام الكنيست قبل اغتياله بأسابيع إنه لن يقبل بدولة فلسطينية كاملة السيادة بل بـ"كيان" أقل من دولة. وبيريز كان يتحدث عن "شرق أوسط جديد" يكون فيه لإسرائيل الهيمنة الاقتصادية والتكنولوجية. حتى "صقور السلام" لم يكونوا ينوون وفاءً حقيقيًّا.

التدرج في النقض: خلال سنوات أوسلو الخمس (١٩٩٣-١٩٩٨) ضاعفت إسرائيل عدد المستوطنين في الضفة الغربية، وشقّت طرقًا التفافية تقطّع الأراضي الفلسطينية، وأقامت مئات الحواجز العسكرية، وواصلت مصادرة الأراضي وهدم البيوت. كل يوم كان يُنقض بند من بنود الاتفاقية بينما تستمر "المفاوضات" شكليًّا.

التبرير والتغطية: حين فشلت أوسلو — كما كان محتومًا — حمّلت إسرائيل الفلسطينيين المسؤولية الكاملة. "لا شريك فلسطيني للسلام" — هذه العبارة التي أطلقها إيهود باراك بعد فشل مفاوضات كامب ديفيد ٢٠٠٠ صارت الرواية الإسرائيلية والغربية الرسمية. الناقض يتحول إلى ضحية، والمنقوض عليه يتحول إلى مُذنب.

٥. قرارات الأمم المتحدة — سجل النقض الكامل

الرقم وحده يكفي: أكثر من مئتي قرار أممي يتعلق بفلسطين وإسرائيل — بين قرارات الجمعية العامة ومجلس الأمن — لم تلتزم إسرائيل بأي واحد منها عمليًّا. القرار ١٩٤ (حق العودة للاجئين) — لم يُنفّذ. القرار ٢٤٢ (الانسحاب من الأراضي المحتلة عام ١٩٦٧) — لم يُنفّذ. القرار ٣٣٨ (وقف إطلاق النار والتفاوض) — لم يُنفّذ. القرار ٤٧٨ (بطلان ضم القدس) — لم يُنفّذ. القرار ٢٣٣٤ (عدم شرعية الاستيطان) — لم يُنفّذ. وقرار محكمة العدل الدولية ٢٠٠٤ بعدم شرعية جدار الفصل العنصري — لم يُنفّذ.

هذا السجل ليس مجرد "عدم التزام" بالقانون الدولي — هذه عبارة لطيفة أكاديمية. هذا نقض منهجي مستمر واعٍ لكل عهد وميثاق دولي أُبرم — وهو يتم تحت غطاء المشاركة في المنظومة الدولية ذاتها. إسرائيل لم تنسحب من الأمم المتحدة ولم تُعلن رفضها للقانون الدولي — لأنها تحتاج إلى هذه المنظومة كغطاء شرعية — لكنها لا تلتزم بأي من مخرجاتها حين تتعارض مع مصالحها. العهد حاضر شكلًا وغائب مضمونًا — "ثم أقررتم وأنتم تشهدون ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقًا منكم من ديارهم".

٦. وقف إطلاق النار في غزة — الحلقة الأخيرة

ما يجري في غزة منذ أكتوبر ٢٠٢٣ يُقدّم أحدث فصول نقض العهد. كل هدنة مؤقتة — كل وقف إطلاق نار — كل ممر آمن — كل وعد بإدخال مساعدات — يُنقض. المستشفيات التي وُعدت بالحماية قُصفت. الممرات الآمنة التي أُعلنت تحولت إلى مصائد قتل. المساعدات التي سُمح بدخولها شكليًّا مُنعت فعليًّا. والفلسطينيون الذين نزحوا إلى المناطق "الآمنة" بناءً على وعود إسرائيلية قُصفوا في هذه المناطق ذاتها.

والنمط واحد دائمًا: وعد ثم نقض، عهد ثم خرق، اتفاق ثم تنصّل — "في كل مرة وهم لا يتقون".


الخلاصة: ثلاث مرايا ونمط واحد

المرآة القرآنية تصف نمطًا: "أوكلما عاهدوا عهدًا نبذه فريق منهم"، "ينقضون عهدهم في كل مرة"، "ثم توليتم إلا قليلًا منكم وأنتم معرضون". النقض ليس حادثة بل بنية، ليس خطأ بل منهجًا.

المرآة الأدبية تُجسّد النمط ذاته: شايلوك يستخدم العقد أداةً للسلطة لا للعدالة، وباراباس ينقض كل عهد حين تنتفي المصلحة، وفاجين يُقيم عقود ولاء زائفة مع ضحاياه.

المرآة الصهيونية تُطبّق النمط في أوضح صوره وأخطرها: نقض وعد بلفور، ونقض قرار التقسيم، ونقض اتفاقيات جنيف، ونقض أوسلو، ونقض كل قرار أممي، ونقض كل هدنة ووقف إطلاق نار.

والتقاطع بين المرايا الثلاث — مرة أخرى — لا يمكن تفسيره بالصدفة ولا بالتآمر: الوحي الإلهي يصف، والملاحظة الإنسانية ترصد، والواقع السياسي يُثبت — والصورة واحدة في المرايا الثلاث.


في الحلقة القادمة

سننتقل إلى السمة الثالثة: تحريف الحقائق وصناعة الرواية البديلة — "يُحرّفون الكلم عن مواضعه". سنرى كيف يصف القرآن منظومة التحريف الكاملة — من تحريف الكتب المقدسة إلى ليّ الألسنة إلى خلط الحق بالباطل — وكيف تقاطع ذلك مع وصف شكسبير لشايلوك وهو يستخدم اللغة القانونية لقلب الحقائق، وكيف تُمارسه إسرائيل اليوم من خلال أكبر آلة بروباغاندا في التاريخ الحديث — من اختراع "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض" إلى تسمية الإبادة "دفاعًا عن النفس".

تابعونا.


#الشخصية_اليهودية_في_ثلاث_مرايا
#الحلقة_الثالثة

OM

Prof. Ossama Mansour

Professor of Neurology & Interventional Neuroradiology, Alexandria University

Discussion (0)

Leave a Comment

Comments are reviewed before publication.