مرآة واحدة بثلاث عيون: الشخصية اليهودية كما رسمها القرآن والأدب الأوروبي والتاريخ الصهيوني
في هذه السلسلة من الحلقات، سنقرأ هذه المصادر الثلاثة معًا — لا لإثارة الكراهية ضد عرق أو دين، بل لفهم ظاهرة وصفها القرآن بوصفها سمات سلوكية وأنماطًا مرتبطة بالاختيارات لا بالعرق — ونرى كيف أن عيون مختلفة رأت الصورة ذاتها عبر قرون وقارات متباعدة. وسنُفرّق دائمًا بين نقد أيديولوجيا سياسية (الصهيونية) وبين الحكم على أفراد بأعيانهم، وبين وصف أنماط سلوكية وبين العنصرية العرقية — وهو التفريق الذي التزمه القرآن نفسه حين قال: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً﴾.

حين نقرأ وصف القرآن الكريم لسمات بني إسرائيل، ثم نفتح صفحات الأدب الأوروبي من القرن الثالث عشر وحتى التاسع عشر، ثم نتابع سيرة الحركة الصهيونية منذ نشأتها وحتى اليوم — نجد أنفسنا أمام ظاهرة تستحق التأمل العميق: ثلاثة مصادر مختلفة تمامًا في طبيعتها وزمانها ومكانها ودوافعها، لكنها ترسم صورة تكاد تكون واحدة.
القرآن الكريم — كلام الله المنزّل — وصف سمات بنيوية في شخصية بني إسرائيل قبل أربعة عشر قرنًا: الاستعلاء، ونقض العهود، وتحريف الحقائق، وأكل أموال الناس بالباطل، وقسوة القلب، والجُبن والاختباء وراء الجُدُر، والإفساد في الأرض، والاحتيال على الشريعة والقانون.
ثم جاء أدباء أوروبا — وهم ليسوا مسلمين ولا يقرأون القرآن — فرسموا الشخصية اليهودية في أعمالهم الأدبية بملامح تتقاطع بصورة لافتة مع الوصف القرآني. شكسبير في "تاجر البندقية" رسم شايلوك المرابي القاسي الذي يُصرّ على قطعة لحم من جسد مدينه. وكريستوفر مارلو قبله رسم "يهودي مالطا" بصورة أشد قتامة. وتشارلز ديكنز رسم فاجين في "أوليفر تويست" بصورة تستبطن كثيرًا من هذه السمات. وغيرهم كثيرون عبر قرون من الأدب الأوروبي.
هؤلاء الأدباء لم يكونوا يُنظّرون أيديولوجيًّا ولا يكتبون بدافع ديني إسلامي، بل كانوا يرصدون واقعًا اجتماعيًّا عايشوه في مجتمعاتهم الأوروبية. ومع ذلك، جاءت رسومهم الأدبية متوافقة في خطوطها العريضة مع ما وصفه القرآن.
ثم جاءت الحركة الصهيونية في القرن العشرين فحوّلت هذه السمات من صفات فردية أو جماعية إلى مشروع دولة ومنظومة مؤسسية. فلم تعد المسألة شايلوك يُرابي في البندقية، بل دولة تصادر أرض شعب بأكمله. ولم تعد المسألة فاجين يستغل أطفال لندن، بل منظومة استيطانية تسرق موارد شعب تحت الاحتلال. ولم يعد التحريف تحريف نصوص في معابد، بل تحريف رواية تاريخية كاملة أمام العالم.
في هذه السلسلة من الحلقات، سنقرأ هذه المصادر الثلاثة معًا — لا لإثارة الكراهية ضد عرق أو دين، بل لفهم ظاهرة وصفها القرآن بوصفها سمات سلوكية وأنماطًا مرتبطة بالاختيارات لا بالعرق — ونرى كيف أن عيون مختلفة رأت الصورة ذاتها عبر قرون وقارات متباعدة. وسنُفرّق دائمًا بين نقد أيديولوجيا سياسية (الصهيونية) وبين الحكم على أفراد بأعيانهم، وبين وصف أنماط سلوكية وبين العنصرية العرقية — وهو التفريق الذي التزمه القرآن نفسه حين قال: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً﴾.
تابعونا في الحلقات القادمة.
Prof. Ossama Mansour
Professor of Neurology & Interventional Neuroradiology, Alexandria University