الحلقة الثانية "نحن أبناء الله وأحباؤه" — عقدة الاستعلاء وادعاء الاصطفاء
لو سألتني: ما السمة الواحدة التي لو فهمتها لفهمت كل شيء آخر — نقض العهود، والتحريف، والربا، وقسوة القلب، والإفساد في الأرض — لقلت دون تردد: إنها عقدة الاستعلاء وادعاء الاصطفاء الإلهي. هذه ليست مجرد سمة واحدة بين سمات أخرى، بل هي الجذر الذي تتفرع منه كل السمات الأخرى، والنواة الصلبة التي تدور حولها بقية المنظومة. فمن يعتقد أنه فوق البشر يسهل عليه أن ينقض عهده معهم لأنهم أقل منه قيمة، ويسهل عليه أن يحرّف الحقيقة لأنه يملك "الحق الأعلى" في تعريف الحقيقة، ويسهل عليه أن يأكل أموالهم لأنها في نظره ملكه الأصلي بحكم الاصطفاء، ويسهل عليه أن يسفك دماءهم لأن دماءهم لا تعدل عنده دمه. هذا ما سنتتبعه في هذه الحلقة: عقيدة الاستعلاء كما وصفها القرآن أولًا، ثم كما وصفها الأدباء الأوروبيون ثانيًا، ثم كما تتجلى في الممارسة الصهيونية المعاصرة ثالثًا.
الاقتباس الافتتاحي
﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَىٰ نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ۚ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ ۖ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾ — المائدة: 18
مدخل: الجذر الذي تتفرع منه كل السمات
لو سألتني: ما السمة الواحدة التي لو فهمتها لفهمت كل شيء آخر — نقض العهود، والتحريف، والربا، وقسوة القلب، والإفساد في الأرض — لقلت دون تردد: إنها عقدة الاستعلاء وادعاء الاصطفاء الإلهي. هذه ليست مجرد سمة واحدة بين سمات أخرى، بل هي الجذر الذي تتفرع منه كل السمات الأخرى، والنواة الصلبة التي تدور حولها بقية المنظومة. فمن يعتقد أنه فوق البشر يسهل عليه أن ينقض عهده معهم لأنهم أقل منه قيمة، ويسهل عليه أن يحرّف الحقيقة لأنه يملك "الحق الأعلى" في تعريف الحقيقة، ويسهل عليه أن يأكل أموالهم لأنها في نظره ملكه الأصلي بحكم الاصطفاء، ويسهل عليه أن يسفك دماءهم لأن دماءهم لا تعدل عنده دمه.
هذا ما سنتتبعه في هذه الحلقة: عقيدة الاستعلاء كما وصفها القرآن أولًا، ثم كما وصفها الأدباء الأوروبيون ثانيًا، ثم كما تتجلى في الممارسة الصهيونية المعاصرة ثالثًا.
القسم الأول: المرآة القرآنية
١. "نحن أبناء الله وأحباؤه" — عقيدة البنوّة الإلهية
في آية المائدة: 18 التي افتتحنا بها يصف القرآن ادّعاءً خطيرًا لا يُشبه أي ادّعاء ديني عادي. حين يقول قوم "نحن أبناء الله وأحباؤه" فهم لا يقولون مجرد "نحن مؤمنون بالله" أو "نحن على حق" — هذا يقوله كل أتباع دين. بل يقولون شيئًا أعمق بكثير: إن بيننا وبين الله علاقة بنوّة، علاقة نَسَبٍ وجوهرٍ، لا مجرد علاقة عبادة واختيار. وهذه البنوّة ليست مجرد مجاز عاطفي بل هي — في تطبيقاتها العملية — أساس لمنظومة حقوقية كاملة: ما دمنا أبناءه فنحن ورثته، وما دمنا ورثته فالأرض لنا، وما دمنا أحباءه فلن يعذبنا مهما فعلنا.
والرد القرآني جاء بمنتهى البساطة والقوة: ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ ۖ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾. الردّ هنا يهدم الأساس كله بثلاث كلمات: "بشرٌ ممّن خلق" — أنتم مخلوقون كغيركم، لستم فوق قوانين الله ولا فوق المحاسبة ولا فوق البشر. والدليل العملي على كذب دعواكم أنكم تُعذَّبون بذنوبكم كما يُعذَّب أي بشر آخر — فلو كنتم أبناءه وأحباءه حقًّا لما أصابكم ما أصابكم.
٢. "الشعب المختار" — من النعمة إلى الأيديولوجيا
القرآن لا يُنكر أن الله فضّل بني إسرائيل في مرحلة تاريخية معينة: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ — البقرة: 47. لكنّ هذا التفضيل في المنظور القرآني كان تكليفًا لا تشريفًا مجانيًّا، ومهمّةً مشروطةً لا حقًّا أبديًّا. كان معناه: حمّلناكم رسالة التوحيد إلى العالم، فإن أديتم الأمانة فلكم أجرها، وإن خنتموها فعليكم وزرها. لكن ما فعلوه أنهم حوّلوا هذا التكليف المشروط إلى حقّ ذاتي مطلق لا يزول بالمعصية ولا ينتقل بالكفر ولا يُشارَكون فيه مهما فعلوا.
والقرآن يُوثّق هذا التحول بدقة. فحين يُذكّرهم بالنعمة يربطها فورًا بالتحذير: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ — البقرة: 40. "أوفوا بعهدي أوفِ بعهدكم" — المعادلة واضحة: التفضيل مقابل الوفاء، فإذا انتفى الشرط انتفى المشروط.
٣. "ليس علينا في الأمّيّين سبيل" — التطبيق العملي للاستعلاء
الآن ننتقل من العقيدة النظرية إلى التطبيق العملي. عقيدة الاستعلاء ليست مجرد شعور داخلي بل تنتج منظومة أخلاقية مزدوجة: أخلاق تُطبّق على "الداخل" (بني إسرائيل فيما بينهم) وأخلاق مختلفة تمامًا تُطبّق على "الخارج" (باقي البشر). والقرآن يصف هذه الازدواجية بوضوح مذهل:
﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ۗ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ — آل عمران: 75
هذه الآية مفتاحية جدًّا. لاحظ أن القرآن ميّز أولًا بين من يؤدي الأمانة ومن لا يؤديها — إنصافًا لأهل الأمانة منهم. ثم ركّز على الفئة التي لا تؤدي الأمانة وكشف عن المبرر الذي يستندون إليه: "ليس علينا في الأمّيّين سبيل". بمعنى: الأمانة واجبة مع اليهود فقط، أما غير اليهود فلا حرج أخلاقي ولا ديني في الغدر بهم وأكل أموالهم والكذب عليهم. ثم أضاف القرآن وصفًا بالغ الخطورة: "ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون" — أي أنهم يعلمون أن هذا ليس حكم الله لكنهم ينسبونه إلى الله ليمنحوا استعلاءهم وظلمهم غطاءً دينيًّا مقدسًا.
هذا الوصف القرآني يكشف عن منظومة كاملة: عقيدة استعلاء (نحن شعب الله المختار) + أخلاق مزدوجة (ما يحرم مع اليهودي يحلّ مع غيره) + تغطية دينية (الله أمرنا بذلك) + وعي كامل بالكذب (وهم يعلمون). هذه المنظومة هي ما سنرصد تجلياته في الأدب الأوروبي والواقع الصهيوني.
٤. "لن تمسّنا النار إلا أيامًا معدودة" — الحصانة من العقوبة
وجه آخر من وجوه عقيدة الاستعلاء هو الاعتقاد بالحصانة من العقوبة الإلهية: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً ۚ قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ ۖ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ — البقرة: 80.
المنطق هنا هو: حتى لو أذنبنا، فإن عقوبتنا ستكون رمزية وقصيرة ومؤقتة — لأن بنوّتنا لله تمنعه من معاملتنا كبقية الخلق. وهذا المنطق ذاته هو ما يتجلى اليوم حين تعتقد إسرائيل أنها فوق القانون الدولي وفوق المحاسبة وفوق العقوبات — لأنها "دولة الشعب المختار" ولأن أي عقوبة ستكون مؤقتة وقابلة للاحتواء.
والرد القرآني يهدم هذا الوهم: ﴿بَلَىٰ مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ — البقرة: 81. المعيار هو العمل والكسب لا النسب والادّعاء.
٥. "قَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا" — الاستعلاء المادي
عقيدة الاستعلاء لا تبقى دائمًا في إطارها الديني المجرد بل تتحول أحيانًا إلى استعلاء مادي: نحن الأغنى، نحن الأقوى، نحن الأكثر نفوذًا — وهذا دليل على أن الله معنا. وهذا المنطق ذاته — ربط الثروة المادية بالرضا الإلهي — سنراه يتكرر لاحقًا في فكر أوروبي طويل عن الثروة اليهودية وعلاقتها بادعاء التفوق.
القسم الثاني: المرآة الأدبية الأوروبية
١. "يهودي مالطا" لكريستوفر مارلو (١٥٩٠م) — باراباس وعقيدة التفوق
كريستوفر مارلو — المعاصر لشكسبير والمنافس له — كتب مسرحية "يهودي مالطا" (The Jew of Malta) حوالي عام ١٥٩٠، أي قبل أكثر من ثلاثة قرون ونصف من قيام دولة إسرائيل. بطلها باراباس (Barabas) تاجر يهودي ثري في جزيرة مالطا يعتبر نفسه فوق سكان الجزيرة المسيحيين ويحتقرهم.
في المشهد الافتتاحي يجلس باراباس في مكتبه يعدّ أمواله الهائلة ويقول ما معناه: "أنا أحقر هؤلاء المسيحيين الحمقى الذين يتسولون على أبوابنا بينما نحن نملك ثروات تفوق ما يحلمون به". ثم يكشف عن نظرته لغير اليهود حين يقول: "إن أرواحهم ليست ذات قيمة كأرواحنا". المسرحية بأكملها تدور حول شخصية تعتقد أنها فوق القواعد الأخلاقية التي تحكم البشر العاديين — بالضبط كمنطق "ليس علينا في الأمّيّين سبيل".
مارلو لم يكن يكتب دعاية دينية ولم يكن يقرأ القرآن — كان يكتب ما يراه في مجتمعه. وقد كتب المسرحية في وقت لم يكن فيه يهود كثيرون أصلًا في إنجلترا (كانوا قد طُردوا عام ١٢٩٠م)، لكن صورتهم كانت حاضرة في الذاكرة الجمعية الأوروبية من التجربة التاريخية الطويلة.
٢. "تاجر البندقية" لوليام شكسبير (١٥٩٧م) — شايلوك والأخلاق المزدوجة
بعد مارلو بسنوات قليلة كتب شكسبير مسرحيته الشهيرة "تاجر البندقية" (The Merchant of Venice) التي يظهر فيها شايلوك (Shylock) المُرابي اليهودي. وشايلوك شخصية أعقد بكثير من باراباس — فشكسبير أعطاه بُعدًا إنسانيًّا لا يمكن إنكاره — لكنه في الوقت ذاته جسّد فيه سمة الازدواجية الأخلاقية بصورة لا تُخطئها العين.
شايلوك يُقرض أنطونيو — التاجر المسيحي — مبلغًا من المال بشرط غريب: إن لم يسدد في الموعد فلشايلوك الحق في قطع رطل من لحمه. وحين يعجز أنطونيو عن السداد يُصرّ شايلوك على تنفيذ الشرط الحرفي رغم كل التوسلات والعروض البديلة. والمسألة عند شايلوك ليست مادية — فقد عُرض عليه أضعاف المبلغ — بل هي مسألة مبدأ: هذا حقي بموجب العقد، وأنا فوق عواطفكم ورحمتكم.
المشهد الشهير الذي يقول فيه شايلوك: "ألا يوجد عند اليهودي عينان؟ ألا يوجد عنده يدان؟" (Hath not a Jew eyes?) غالبًا ما يُقتبس اليوم بوصفه دفاعًا عن اليهود واعترافًا بإنسانيتهم — وهو كذلك ظاهريًّا. لكن السياق الكامل للمونولوج يُظهر شيئًا آخر: شايلوك يستخدم هذه الحجة الإنسانية ليُبرر بها الانتقام لا التسامح. يقول ما معناه: نعم، أنا بشر مثلكم — وبما أنكم علمتموني الانتقام فسأنتقم كما تنتقمون، بل سأتفوق عليكم في ذلك. هذا استخدام لخطاب المظلومية وادّعاء المساواة لتبرير تجاوز كل حدود المساواة — وهو نمط سنراه يتكرر بصورة مذهلة في الخطاب الصهيوني المعاصر.
لكن الأهم في شايلوك ليس مشهد "رطل اللحم" الشهير، بل ما يكشفه شكسبير عن المنظومة الأخلاقية المزدوجة التي يعمل بها. شايلوك يتعامل مع أبناء جلدته بمنطق مختلف عن تعامله مع المسيحيين. المال الذي يُقرضه للمسيحيين بفائدة يُقرضه لليهود بدونها. الرحمة التي يطلبها لنفسه ولابنته يرفض منحها لغيره. التعاقد الذي يتمسك بحرفيته مع الآخرين يتسامح فيه مع أبناء ملّته. إنها بالضبط منظومة "ليس علينا في الأمّيّين سبيل" مُجسَّدة في شخصية أدبية.
٣. "أوليفر تويست" لتشارلز ديكنز (١٨٣٧م) — فاجين وتعليم الفساد
بعد شكسبير بقرنين ونصف كتب تشارلز ديكنز رواية "أوليفر تويست" (Oliver Twist) التي يظهر فيها فاجين (Fagin) — اليهودي العجوز الذي يقود عصابة من الأطفال اللصوص في لندن الفيكتورية. فاجين لا يسرق بيده بل يُدرّب الأطفال على السرقة ويعيش من كدّهم ومخاطرتهم. وهو لا يراهم بشرًا كاملين بل أدوات يستخدمها لتحقيق مصالحه.
ديكنز كان في هذه الرواية يصف واقعًا اجتماعيًّا يعرفه، وكان اسم "فاجين" يشير — كما أقرّ باحثون كثيرون — إلى شخصية حقيقية اسمها آيكي سولومون (Ikey Solomon) كان زعيم عصابة سرقة فعلية في لندن. لكن ما يهمنا ليس التحقق التاريخي من الشخصية بقدر ما يهمنا النمط الذي تُجسّده: شخص يعتقد أنه أذكى وأعلى من المحيطين به، يستخدمهم كأدوات، ولا يُخاطر بنفسه بل يُخاطر بهم. هذا النمط — الاستعلاء الذكي الذي يعمل من الخلف — هو وجه آخر من وجوه عقيدة التفوق كما وصفها القرآن.
ديكنز نفسه تعرض لاحقًا لانتقادات بسبب شخصية فاجين، فأعاد تخفيف بعض الإشارات الصريحة لليهودية في الطبعات اللاحقة، وكتب في رواية لاحقة (Our Mutual Friend) شخصية يهودية إيجابية اسمها رياه (Riah) — لكن الملاحظة الأصلية بقيت مطبوعة في العمل الأول، وهي ملاحظة لا تنطلق من فراغ بل من مشاهدة اجتماعية مباشرة.
٤. الأنماط المشتركة عبر ثلاثة قرون
ما يلفت النظر حقًّا هو أن هؤلاء الأدباء الثلاثة — مارلو في القرن السادس عشر، وشكسبير في مطلع القرن السابع عشر، وديكنز في القرن التاسع عشر — كتبوا في عصور مختلفة وسياقات مختلفة وبلدان مختلفة أحيانًا (مالطا، البندقية، لندن)، ومع ذلك رسموا شخصيات يهودية تتقاسم السمة ذاتها: الشعور بالتفوق على المحيط غير اليهودي واعتباره أقل قيمة إنسانية وأخلاقية. باراباس يحتقر مسيحيي مالطا، وشايلوك يرى أنطونيو أقل منه ذكاءً وأحقّيّة، وفاجين يستخدم أطفال لندن كأدوات لا كبشر.
ولا يمكن تفسير هذا التقاطع عبر القرون بمجرد "التحيز المسيحي ضد اليهود" — لأن التحيز وحده لا يُنتج ملامح دقيقة ومتسقة بهذا الشكل عبر ثلاثة قرون. التحيز يُنتج صورًا مشوّهة ومبالغًا فيها وغير متسقة. أما ما نراه هنا فهو رصد متكرر لنمط سلوكي محدد — نمط يتوافق مع ما وصفه القرآن قبلهم بقرون.
القسم الثالث: المرآة الصهيونية المعاصرة
١. من عقيدة دينية إلى أيديولوجيا سياسية
ما فعلته الصهيونية — وهذا ما يجعلها خطيرة فريدة في التاريخ الحديث — أنها أخذت عقيدة الاصطفاء الديني القديمة وحوّلتها إلى مشروع سياسي قومي عنصري يرتدي ثوب العلمانية أحيانًا وثوب الدين أحيانًا أخرى حسب الحاجة.
ثيودور هرتزل — مؤسس الصهيونية السياسية — كان علمانيًّا لا يمارس اليهودية بالمعنى الديني، لكنه استخدم فكرة "الشعب المختار" و"أرض الميعاد" كأدوات تعبئة سياسية. كتب في كتابه "الدولة اليهودية" (Der Judenstaat، ١٨٩٦م) عن ضرورة قيام دولة يهودية تكون "حارسة لأوروبا في وجه آسيا، ومركزًا متقدمًا للحضارة في وجه البربرية". هذه الجملة وحدها تكشف عن ثلاث طبقات من الاستعلاء: استعلاء على العرب والآسيويين ("البرابرة")، واستعلاء مبطّن على الأوروبيين أنفسهم (نحن حرّاسكم)، واستعلاء حضاري يرى في اليهود حاملي مشعل التقدم.
٢. مفهوم "الغوييم" — الآخر بوصفه أقل من بشر
المصطلح العبري "غوييم" (Goyim) يعني حرفيًّا "الأمم" أو "الشعوب" ويُستخدم للإشارة إلى كل من ليس يهوديًّا. في الاستخدام الديني التلمودي تحوّل هذا المصطلح إلى ما يشبه التصنيف الوجودي: الغوييم ليسوا مجرد أناس مختلفين بل هم بشر من درجة أدنى في سلّم الخلق. والحاخام عوفاديا يوسف — الزعيم الروحي لحزب شاس الإسرائيلي والحاخام الأكبر السابق لإسرائيل — قال في عام ٢٠١٠ بالحرف: "الغوييم لم يُخلقوا إلا ليخدموا اليهود. بدون ذلك لا مكان لهم في العالم — فقط لخدمة شعب إسرائيل". هذا ليس اقتباسًا من القرون الوسطى بل تصريح عام موثّق صدر من أعلى سلطة دينية يهودية في إسرائيل في القرن الحادي والعشرين.
ومفهوم الغوييم هذا هو المعادل المعاصر المباشر لما وصفه القرآن بقوله: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ — الأمّيّون في الوصف القرآني هم الغوييم في المصطلح العبري: غير اليهود الذين لا تنطبق عليهم المعايير الأخلاقية ذاتها.
٣. "الجدار الحديدي" — زئيف جابوتنسكي والاستعلاء الصريح
في عام ١٩٢٣ كتب زئيف جابوتنسكي — أحد أبرز منظّري الصهيونية — مقاله الشهير "الجدار الحديدي" (The Iron Wall) الذي أسّس فيه لما يمكن اعتباره النص التأسيسي للتعامل الصهيوني مع الفلسطينيين. جابوتنسكي كان صريحًا بصورة مدهشة. اعترف أن الفلسطينيين شعب حقيقي ولهم حقوق طبيعية في أرضهم، ثم قال ما معناه: لكنّ حقوقنا نحن أعلى وأعمق وأقدم، وبالتالي فإن التسوية معهم مستحيلة ولا بدّ من فرض إرادتنا عليهم بالقوة — بجدار حديدي من الحراب — حتى يفقدوا الأمل ويقبلوا واقعهم.
الجملة المفتاحية في مقال جابوتنسكي هي: "كل شعب أصلي سيقاوم المستوطنين الأجانب ما دام يملك أملًا في التخلص منهم. وهذا ما سيفعله العرب... لذلك لا يمكن أن يتم الاستيطان إلا تحت حماية قوة مستقلة عن السكان المحليين، خلف جدار حديدي لا يستطيعون اختراقه". هذا النص يكشف عن وعي كامل بالظلم الذي يُمارَس ("شعب أصلي"، "مستوطنون أجانب"، "سيقاوم") مع إصرار كامل على المضي فيه — لأن حقنا يتجاوز حقهم. إنه التطبيق السياسي المباشر لمنطق "نحن أبناء الله وأحباؤه" — حقنا إلهي مطلق يتجاوز أي حق بشري طبيعي.
٤. بن غوريون و"الشعب المختار" في ثوب علماني
دافيد بن غوريون — أول رئيس وزراء لإسرائيل — كان يصف نفسه بالعلماني، ومع ذلك استخدم لغة الاصطفاء باستمرار. كان يقول إن إسرائيل يجب أن تكون "نورًا للأمم" (Light unto the Nations) — وهو تعبير مأخوذ من سفر إشعياء في التوراة. وكان يرى أن الدولة اليهودية ليست مجرد دولة عادية بل تجسيد لرسالة حضارية وأخلاقية فريدة. هذا الخطاب "الأخلاقي الاستعلائي" هو الذي سمح لإسرائيل بارتكاب مجازر حقيقية — دير ياسين وكفر قاسم وصبرا وشاتيلا وجنين وغزة — مع الاحتفاظ بصورة "الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط" و"الدولة الأكثر أخلاقية".
٥. اليوم: غزة وذروة الاستعلاء
ما يجري في غزة منذ أكتوبر ٢٠٢٣ هو الكشف الأعنف والأوضح عن عقيدة الاستعلاء في صورتها العملية النهائية. حين يقول وزير الدفاع الإسرائيلي يوآف غالانت: "نحن نقاتل حيوانات بشرية وسنتصرف وفقًا لذلك" — فهو لا يستخدم مجازًا حربيًّا عابرًا بل يكشف عن عقيدة حقيقية: هؤلاء ليسوا بشرًا مثلنا، ولذلك فإن قواعد التعامل مع البشر لا تنطبق عليهم. وحين يقول أعضاء كنيست إسرائيليون إن غزة يجب أن تُمحى من الوجود وأن إلقاء قنبلة نووية عليها "خيار مطروح" — فهم لا يتحدثون عن عمليات عسكرية بل عن إبادة شعب يرونه أقل من أن يستحق الحياة.
ومن المفارقات العميقة أن الخطاب الصهيوني المعاصر يستخدم ادّعاء المظلومية التاريخية (المحرقة/الهولوكوست) لتبرير ممارسة الاستعلاء والإبادة. المنطق هو: لأننا كنا ضحايا فنحن فوق النقد، ولأننا فوق النقد فلنا الحق في كل شيء. وهذا بالضبط منطق "لن تمسنا النار إلا أيامًا معدودة" — حصانة ذاتية مطلقة من المحاسبة.
الخلاصة: ثلاث مرايا وصورة واحدة
حين تضع المرايا الثلاث بجانب بعضها — القرآن الذي نزل قبل أربعة عشر قرنًا، والأدب الأوروبي الذي كُتب بين القرن السادس عشر والتاسع عشر، والواقع الصهيوني المعاصر — تجد أنها تعكس الصورة ذاتها بتفاصيل مدهشة:
عقيدة التفوق العرقي/الديني هي هي: "نحن أبناء الله" في القرآن، و"أنا أفضل من هؤلاء المسيحيين" عند باراباس، و"الغوييم خُلقوا لخدمتنا" عند الحاخام عوفاديا يوسف. والأخلاق المزدوجة هي هي: "ليس علينا في الأمّيين سبيل" في القرآن، وشرط "رطل اللحم" عند شايلوك الذي لا يرحم، و"حيوانات بشرية" عند غالانت. والحصانة من المحاسبة هي هي: "لن تمسنا النار إلا أيامًا معدودة" في القرآن، وادعاء "معاداة السامية" لإسكات كل ناقد اليوم.
ثلاثة مصادر مستقلة تمامًا عن بعضها — مصدر إلهي، ومصدر أدبي إنساني، ومصدر واقعي سياسي — تتفق على وصف النمط ذاته. وهذا الاتفاق ليس صدفة ولا مؤامرة — بل هو شهادة متعددة المصادر على حقيقة واحدة: عقيدة الاستعلاء موجودة وفاعلة ومؤثرة ومستمرة عبر القرون، وهي ليست اختراعًا معاديًا للسامية بل واقع يصفه من شاهده من زوايا مختلفة.
في الحلقة القادمة
سننتقل إلى السمة الثانية: نقض العهود والمواثيق — "أوكلما عاهدوا عهدًا نبذه فريق منهم". سنرى كيف يصف القرآن هذا النمط بتفصيل مذهل، وكيف جسّده شكسبير في شخصية شايلوك بصورة مختلفة، وكيف تُمارسه إسرائيل اليوم بصورة منهجية مع كل اتفاقية ومعاهدة وقرار أممي.
تابعونا.
#الشخصية_اليهودية_في_ثلاث_مرايا
#الحلقة_الثانية
Prof. Ossama Mansour
Professor of Neurology & Interventional Neuroradiology, Alexandria University