الحلقة السابعة "لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ" — الجُبن بوصفه وجهًا آخر للقسوة
مدخل: المفارقة الكاشفة في الحلقة السابقة وقفنا أمام قسوة أشدّ من الحجر — قسوة تقتل الأنبياء وتُجوّع الأطفال وتتباهى بأفعالها. وكان من الطبيعي أن يُتوقع من أصحاب هذه القسوة الهائلة أن يكونوا أصحاب شجاعة مماثلة — فالقسوة في المخيّلة الشائعة مقترنة بالجرأة والإقدام. لكن القرآن يرسم صورة مختلفة تمامًا ومفاجئة: هؤلاء الأشدّاء القساة هم أنفسهم الأشدّ جُبنًا والأكثر حرصًا على الاختباء. يقسون حين يأمنون ويجبنون حين يواجَهون — وهذا ليس تناقضًا بل معادلة نفسية دقيقة: القسوة والجُبن وجهان لعملة واحدة — عملة اسمها الأنا المتضخّمة التي تُريد أن تُؤذي دون أن تتأذى، وأن تأخذ دون أن تدفع الثمن. والقرآن لا يصف الجُبن هنا بوصفه ضعفًا بشريًّا عابرًا — فكل إنسان قد يخاف في لحظة ما — بل يصفه بوصفه سمة بنيوية ملازمة: "لا يقاتلونكم جميعًا إلا في قرى محصّنة أو من وراء جُدُر" — صيغة الاستثناء تُفيد أن هذا هو الأصل لا الاستثناء. لا يُقاتلون أبدًا إلا مِن مأمن — هذه قاعدة لا استثناء منها. ثم يُضيف: "بأسهم بينهم شديد" — أي أن شدّتهم تظهر فقط حين يقاتلون بعضهم بعضًا لا حين يواجهون عدوًّا حقيقيًّا. شجعان في حروبهم الداخلية جبناء في مواجهاتهم الخارجية — والسبب أن الحرب الداخلية تكون بين طرفين يعرف كل منهما جُبن الآخر فيتجرّأ عليه، أما المواجهة الخارجية فتكون مع مَن لا يضمنون جُبنه فيفرّون. وأكثر ما يلفت في الآية عبارة "تحسبهم جميعًا وقلوبهم شتّى" — أي أنهم يبدون من الخارج كتلة واحدة متماسكة قوية، لكن حقيقتهم الداخلية تفكّك وشتات وخوف. الوحدة الظاهرية قشرة تُخفي تمزّقًا حقيقيًّا — والجُبن ليس جُبن الفرد فحسب بل جُبن الجماعة التي لا تثق ببعضها ولا يُضحّي فيها أحد من أجل أحد.
الاقتباس الافتتاحي
﴿لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ ۚ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ ۚ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ﴾ — الحشر: 14
مدخل: المفارقة الكاشفة
في الحلقة السابقة وقفنا أمام قسوة أشدّ من الحجر — قسوة تقتل الأنبياء وتُجوّع الأطفال وتتباهى بأفعالها. وكان من الطبيعي أن يُتوقع من أصحاب هذه القسوة الهائلة أن يكونوا أصحاب شجاعة مماثلة — فالقسوة في المخيّلة الشائعة مقترنة بالجرأة والإقدام. لكن القرآن يرسم صورة مختلفة تمامًا ومفاجئة: هؤلاء الأشدّاء القساة هم أنفسهم الأشدّ جُبنًا والأكثر حرصًا على الاختباء. يقسون حين يأمنون ويجبنون حين يواجَهون — وهذا ليس تناقضًا بل معادلة نفسية دقيقة: القسوة والجُبن وجهان لعملة واحدة — عملة اسمها الأنا المتضخّمة التي تُريد أن تُؤذي دون أن تتأذى، وأن تأخذ دون أن تدفع الثمن.
والقرآن لا يصف الجُبن هنا بوصفه ضعفًا بشريًّا عابرًا — فكل إنسان قد يخاف في لحظة ما — بل يصفه بوصفه سمة بنيوية ملازمة: "لا يقاتلونكم جميعًا إلا في قرى محصّنة أو من وراء جُدُر" — صيغة الاستثناء تُفيد أن هذا هو الأصل لا الاستثناء. لا يُقاتلون أبدًا إلا مِن مأمن — هذه قاعدة لا استثناء منها. ثم يُضيف: "بأسهم بينهم شديد" — أي أن شدّتهم تظهر فقط حين يقاتلون بعضهم بعضًا لا حين يواجهون عدوًّا حقيقيًّا. شجعان في حروبهم الداخلية جبناء في مواجهاتهم الخارجية — والسبب أن الحرب الداخلية تكون بين طرفين يعرف كل منهما جُبن الآخر فيتجرّأ عليه، أما المواجهة الخارجية فتكون مع مَن لا يضمنون جُبنه فيفرّون.
وأكثر ما يلفت في الآية عبارة "تحسبهم جميعًا وقلوبهم شتّى" — أي أنهم يبدون من الخارج كتلة واحدة متماسكة قوية، لكن حقيقتهم الداخلية تفكّك وشتات وخوف. الوحدة الظاهرية قشرة تُخفي تمزّقًا حقيقيًّا — والجُبن ليس جُبن الفرد فحسب بل جُبن الجماعة التي لا تثق ببعضها ولا يُضحّي فيها أحد من أجل أحد.
القسم الأول: المرآة القرآنية
١. "لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ" — خوف مقلوب الاتجاه
في سياق الآية ذاتها من سورة الحشر يأتي وصف كاشف:
﴿لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾ — الحشر: 13
هذه الآية تكشف البنية الداخلية للجُبن: هم يخافون البشر أكثر مما يخافون الله. والإنسان الطبيعي — المؤمن خصوصًا — يخاف الله أولًا ثم يتعامل مع البشر من موقع هذا الخوف الأول الذي يمنحه ثباتًا. أما هؤلاء فخوفهم الأول من المخلوق لا من الخالق — ولذلك خوفهم لا قاع له ولا ضابط. من يخاف الله يخاف شيئًا واحدًا ثابتًا فيعرف حدود خوفه ويتصرف بثبات. أما من يخاف البشر فهو يخاف شيئًا متقلبًا لا يُحسب — يخاف من كل اتجاه وفي كل لحظة. ولهذا هو جبان دائمًا لأن مصدر خوفه لا ينتهي.
والقرآن يُعلّل هذا الخوف المقلوب بعبارة دقيقة: "ذلك بأنهم قوم لا يفقهون" — ليس "لا يعلمون" بل "لا يفقهون". والفقه أعمق من العلم: هو الفهم العميق النافذ. أي أن جُبنهم ليس نقص معلومات بل نقص فَهم — لا يفقهون حقيقة القوة وحقيقة الضعف وحقيقة الحياة وحقيقة الموت. من يفقه أن الموت بيد الله وحده لا يخاف من بشر مهما بلغت قوتهم — أما من يظن أن البشر يملكون موته وحياته فسيظل يرتجف منهم أبدًا.
٢. "وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَىٰ حَيَاةٍ" — الحرص الذي يُنتج الجُبن
في سورة البقرة يربط القرآن ربطًا مباشرًا بين الحرص على الحياة والجُبن:
﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَىٰ حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا ۚ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ ۗ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ — البقرة: 96
لاحظ الدقة القرآنية: "أحرص الناس على حياة" — بتنكير كلمة "حياة". لم يقل "على الحياة" بل "على حياة" — أي على أي نوع من الحياة مهما كان ذليلًا أو مهينًا. ليس المهم جودة الحياة بل مجرد استمرارها. يُريد أحدهم أن يعيش ألف سنة — ولو عاش ذليلًا خائفًا مُحتقَرًا — المهم أن يعيش. وهذا الحرص على الحياة بأي ثمن هو الجذر النفسي للجُبن: من يستعدّ للموت لا يخاف شيئًا — أما من يتشبّث بالحياة تشبّثًا مطلقًا فسيخاف كل شيء يُهدّد هذه الحياة.
والمقارنة في الآية كاشفة أيضًا: "أحرص الناس على حياة ومن الذين أشركوا" — أي أنهم أشدّ حرصًا على الحياة حتى من المشركين الذين لا يؤمنون بالآخرة. المشرك — الذي يُفترض أنه الأكثر تعلّقًا بالدنيا لأنه لا يُؤمن بما بعدها — أقل حرصًا منهم على الحياة. وهذا يعني أن تعلّقهم بالحياة لا يُفسَّر بغياب الإيمان بالآخرة فحسب — بل بشيء أعمق: حبّ الذات المطلق الذي يجعل فناء الذات أفظع كابوس ممكن. الاستعلاء — الذي ناقشناه في الحلقة الثانية — يُنتج تضخّمًا في الأنا يجعل فكرة فناء هذه الأنا لا تُحتمل — فيتشبّث صاحبها بالحياة بجنون ويجبن عن كل ما يُهدّدها.
٣. "كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ" — الفرار من التكليف
في سورة البقرة أيضًا نجد نمطًا متكررًا: كلّما طُلب منهم القتال فرّوا. لم يكن فرارهم لأنهم لا يملكون القدرة بل لأنهم لا يملكون الإرادة. حين قال لهم موسى: ﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ — المائدة: 21، كان جوابهم:
﴿قَالُوا يَا مُوسَىٰ إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّىٰ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾ — المائدة: 22
ثم تصاعد الرفض إلى الوقاحة: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ — المائدة: 24.
التسلسل كاشف: أولًا تحجّجوا بوجود "قوم جبّارين" — وهو عُذر يبدو معقولًا. ثم اشترطوا أن يخرج الجبّارون من الأرض أولًا ثم يدخلونها هم بعدهم — أي يُريدون النتيجة دون الثمن. ثم حين أصرّ موسى رفضوا رفضًا قاطعًا وأحالوا المهمة إليه وإلى ربه. والنمط واضح: يُريدون الأرض المقدسة لكن لا يُريدون أن يُقاتلوا من أجلها — يُريدون أن يُقاتل غيرهم ثم يأخذونها جاهزة. الأرض دون تضحية والنتيجة دون ثمن والمجد دون ألم — هذه معادلة الجبان في كل زمان.
وفي قصة طالوت (سورة البقرة: 246-252) يتكرر النمط ذاته بصورة أوضح. بنو إسرائيل طلبوا من نبيّهم أن يبعث لهم ملكًا يقاتلون في سبيل الله. قال لهم: ﴿هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا ۖ قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا﴾ — البقرة: 246. أي أنهم أقسموا بحماس أنهم سيُقاتلون — فلمّا كُتب عليهم القتال ﴿تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ — تراجعوا جميعًا إلا قلة. ثم حين اختُبروا بنهر — مجرد اختبار بالامتناع عن الشرب — فشل أغلبهم. ثم حين رأوا جالوت وجنوده قال فريق منهم: ﴿لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ﴾ — استسلموا قبل أن يبدأ القتال.
القصة ترسم مسارًا نموذجيًّا: حماس كلامي → تكليف حقيقي → اختبار بسيط → فشل → اختبار أكبر → انسحاب. والقلة التي ثبتت هي التي انتصرت — لكن القرآن يُوضح أن هذه القلة هي الاستثناء لا القاعدة.
٤. "ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ" — الجُبن بوصفه ذِلّة وجودية
القرآن لا يستخدم كلمة "جُبن" مباشرة بل يستخدم ما هو أعمق وأشمل: الذِّلّة.
﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ﴾ — آل عمران: 112
"ضُرِبت عليهم الذِّلّة" — والضرب هنا يُفيد اللزوم والإحاطة كأنها خيمة ضُربت عليهم فأحاطت بهم من كل جانب. والذِّلّة ليست ضعفًا مؤقتًا بل حالة وجودية لازمة — "أينما ثُقفوا" — أي في أي مكان وُجدوا وفي أي زمان حلّوا. ثم الاستثناء: "إلا بحبل من الله وحبل من الناس" — أي لا يرتفعون عن هذه الذِّلّة إلا بأحد حبلين: عهد من الله (إيمان حقيقي والتزام بالميثاق) أو حماية من البشر (دولة قوية تحميهم أو تحالف مع قوة أكبر). وبما أنهم نقضوا عهد الله — كما بيّنت الحلقات السابقة — لم يبقَ لهم إلا الحبل الثاني: التعلّق بحماية البشر والاعتماد على قوة الآخرين.
وهذا يُفسّر كثيرًا: الذِّلّة الوجودية تُنتج جُبنًا وجوديًّا — لأن الذليل يعرف في أعماقه أنه لا يملك القوة الذاتية للمواجهة فيلجأ إلى الاحتماء بالآخرين. والجبان يحتاج دائمًا إلى "جدار" يختبئ خلفه — سواء كان جدارًا ماديًّا أو جدارًا بشريًّا (قوة عظمى حامية) أو جدارًا تقنيًّا (سلاح يقتل عن بُعد). "لا يقاتلونكم جميعًا إلا في قرى محصّنة أو من وراء جُدُر" — الجدار شرط المواجهة لا المواجهة ذاتها.
٥. "قُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ" — الجُبن الجماعي والتفكّك الداخلي
عبارة "تحسبهم جميعًا وقلوبهم شتّى" تكشف عن بُعد آخر للجُبن: التفكّك الداخلي. الوحدة الظاهرية مصنوعة لا عضوية — مبنية على المصلحة المشتركة لا على الإيمان المشترك. وحين تتهدد المصلحة تتفكك الوحدة فورًا.
والتفكّك الداخلي يُنتج جُبنًا لأن كل فرد وكل فصيل يعرف أنه لا يستطيع الاعتماد على الآخر. في الجماعة المتماسكة حقًّا يستمدّ الفرد شجاعته من ثقته بأن رفاقه سيدعمونه — أما في الجماعة المتفككة داخليًّا فكل فرد يحسب حسابه وحده ويفرّ وحده ويُنقذ نفسه وحده. ولهذا قال القرآن: "بأسهم بينهم شديد" — لأن الحرب الداخلية أسهل: أنت تُقاتل من تعرف ضعفه ومن تعرف أنه لن يُضحّي من أجل هزيمتك لأنه مشغول بإنقاذ نفسه. أما الحرب مع عدوّ حقيقي مؤمن بقضيته مستعدّ للموت — فهذه معادلة لا يقبلها الجبان.
٦. "وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ" — سيكولوجيا الهلع
القرآن يصف أيضًا ظاهرة مرتبطة بالجُبن: الإذاعة بالخوف ونشر الهلع:
﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ﴾ — النساء: 83
وإن كانت هذه الآية في سياق المنافقين فإن النمط النفسي ذاته ينطبق على كل جماعة يُشكّل الخوف بنيتها العميقة. الإذاعة بالخوف — أي نشر الخبر المخيف فورًا دون تمحيص — سلوك نابع من ذات مرعوبة تحتاج أن تُشرك الآخرين في رعبها لتُخفّف عن نفسها. وهذا يتّصل بـ"تحسبهم جميعًا وقلوبهم شتّى": الخوف المُعمَّم يصنع وحدة ظاهرية هشّة — وحدة القطيع الذي يجتمع لا حبًّا بل خوفًا.
القسم الثاني: المرآة الأدبية الأوروبية
١. شايلوك — الشجاعة في المحكمة والجُبن في المواجهة
شايلوك في "تاجر البندقية" يبدو شجاعًا في المحكمة: يقف وحده ضد كل البندقية ويرفض كل العروض ويُصرّ على "رطل اللحم". لكن تأمّل ظروف شجاعته: هو يقف في محكمة — أي في إطار قانوني يحميه. ويطالب بحق مكتوب في عقد — أي لديه وثيقة تسنده. والدوق نفسه يعترف بأنه لا يستطيع ردّ المطالبة لأن القانون يحميها. شجاعة شايلوك إذن شجاعة مشروطة بالجدار القانوني — هو شجاع فقط لأنه يعرف أن القانون يحميه.
وحين ينهار الجدار — حين تكشف بورشيا عن الثغرة القانونية التي تُحرّم عليه إراقة قطرة دم مسيحي — ينهار شايلوك فورًا. لا يحتجّ ولا يُقاتل ولا يُقاوم بل يقبل كل ما يُملى عليه: يتنازل عن ماله ويقبل التعميد ويخرج من المحكمة مكسورًا صامتًا. الانتقال من الإصرار المطلق إلى الاستسلام المطلق يحدث في لحظة واحدة — لحظة سقوط الجدار. لم تكن هناك شجاعة حقيقية أبدًا — كان هناك احتماء بالقانون، وحين سقط القانون سقط معه كل شيء.
وشكسبير يكشف هذا الجُبن في مشاهد أخرى أيضًا: شايلوك لا يواجه أعداءه أبدًا وجهًا لوجه خارج المحكمة. يتلقّى الإهانات من أنطونيو في السوق ولا يردّ — يبتلعها ويُخطّط للانتقام سرًّا. وحين تهرب ابنته لا يُواجهها بل يلعنها من بعيد. وحين يعلم أن أنطونيو خسر سفنه يفرح في الخفاء. كل أفعاله من وراء جدار — جدار القانون أو جدار السرّية أو جدار الغياب. لا مواجهة مباشرة مكشوفة أبدًا.
٢. باراباس — الشجاعة المسرحية والجُبن الحقيقي
باراباس في "يهودي مالطا" يبدو أكثر جرأة من شايلوك — فهو يقتل ويُسمّم ويُدبّر المؤامرات بجسارة ظاهرة. لكن تأمّل طريقة قتله: لا يقتل أحدًا بيده مباشرة في مواجهة مكشوفة. يُسمّم عن بُعد (سمّ في العصيدة يقتل دير الراهبات بأكمله). يُدبّر مبارزة بين حبيبَيْ ابنته فيقتل كل منهما الآخر. يبيع المدينة للأتراك سرًّا ثم يبيع الأتراك لحاكم مالطا سرًّا. كل أفعاله من وراء ستار — يُحرّك الآخرين كقطع شطرنج ولا يظهر هو أبدًا في خطّ المواجهة.
وحين يُكشف أمره أخيرًا ويسقط في المرجل الذي أعدّه لغيره — لا يموت مقاتلًا بل صارخًا مستغيثًا. الرجل الذي تباهى طوال المسرحية بقوته ودهائه يموت وهو يصرخ طلبًا للنجدة. والمفارقة أن المرجل الذي سقط فيه كان هو نفسه قد أعدّه ليُسقط فيه الأتراك — أي أنه مات بأداته الخاصة. القاتل من وراء الجدار لا يعرف ماذا يفعل حين ينهار الجدار — فيموت بالطريقة ذاتها التي قتل بها الآخرين.
ومارلو — المسرحي الذي يعرف الطبيعة البشرية — يربط صراحة بين دهاء باراباس وجُبنه: الدهاء تعويض عن الشجاعة. من لا يملك شجاعة المواجهة يستعيض عنها بذكاء المؤامرة. والمؤامرة بطبيعتها فعل جبان — لأنها تعمل في الخفاء وتُحقّق أهدافها بأيدي الآخرين. باراباس لا يحتاج إلى شجاعة لأنه يملك دهاءً — لكن الدهاء بلا شجاعة لا يصمد حين تنكشف اللعبة.
٣. فاجين — الجُبن المُقنّع بالسيطرة
فاجين عند ديكنز جبان بامتياز — لكن جُبنه مُقنّع بالسيطرة على الضعفاء. هو يسيطر على أطفال الشوارع لأنهم أضعف منه — ويستخدم بيل سايكس في العنف لأنه يجبن عنه. فاجين لا يضرب ولا يُهدّد بصوت عالٍ — لكنه يُوجّه العنف عبر وكلائه. وحين يُقبض عليه أخيرًا يظهر جُبنه الحقيقي: يرتجف في زنزانته ويتوسّل ويبكي ويفقد كل قدرة على التماسك. المشهد الأخير لفاجين في السجن — كما يصفه ديكنز — مشهد جُبن خالص: رجل عجوز يرتعد وعيناه تدوران في محجريهما ويُمسك بأوليفر متوسّلًا أن يُساعده على الهرب. الرجل الذي كان يُسيطر على شبكة كاملة من اللصوص يتحوّل في لحظة إلى كائن مرتجف عاجز حين يواجه عاقبة أفعاله.
وديكنز يرسم الفارق بوضوح بين فاجين وبيل سايكس: سايكس — مع كل وحشيته — يواجه مصيره بنوع من الجرأة الحيوانية: يهرب ويُقاتل ويموت وهو يحاول الهرب فوق السطوح. أما فاجين فلا يهرب ولا يُقاتل ولا يفعل شيئًا سوى الارتعاش والتوسّل. العنيف الجاهل أشجع من الذكيّ الجبان — لأن العنف يحتاج ولو إلى الحدّ الأدنى من الجرأة الجسدية، أما المؤامرة فلا تحتاج حتى إلى هذا الحدّ الأدنى.
٤. النمط المشترك: القسوة من مأمن والجُبن أمام العاقبة
في الشخصيات الأدبية الثلاث نجد النمط ذاته الذي وصفه القرآن: "لا يقاتلونكم جميعًا إلا في قرى محصّنة أو من وراء جُدُر". شايلوك خلف جدار القانون، وباراباس خلف جدار المؤامرة، وفاجين خلف جدار الأطفال المستغَلّين وذراعه العنيفة سايكس. الثلاثة يُؤذون من مأمن — ويتحوّلون إلى عاجزين حين ينهار المأمن.
والأهمّ من ذلك أن الأدب الأوروبي الذي أنتج هذه الشخصيات لم يكن يقرأ القرآن — بل كان يرصد واقعًا رآه وعايشه. شكسبير ومارلو وديكنز رسموا هذا النمط لأنهم رأوه في مجتمعاتهم لا لأنهم قرأوه في القرآن — وهذا يُعطي التقاطع قوة مضاعفة: حين يتّفق نصّ إلهي من القرن السابع مع أدب أوروبي من القرون السادس عشر والسابع عشر والتاسع عشر على وصف النمط ذاته — فنحن أمام حقيقة بنيوية لا مصادفة تاريخية.
القسم الثالث: المرآة الصهيونية المعاصرة
١. "من وراء جُدُر" — الجدار الفعلي
لعلّ أكثر التقاطعات إذهالًا بين النص القرآني والواقع المعاصر هو الجدار ذاته. حين قال القرآن "لا يقاتلونكم جميعًا إلا في قرى محصّنة أو من وراء جُدُر" كان يصف نمطًا سلوكيًّا. لكن إسرائيل حوّلت هذا النمط إلى واقع مادي حرفي: جدار الفصل العنصري — الذي يمتد مئات الكيلومترات ويبلغ ارتفاعه ثمانية أمتار في بعض المواضع — هو التجسيد الأكثر حرفية لعبارة "من وراء جُدُر". دولة بأكملها بنت جدارًا لتختبئ خلفه.
والجدار ليس دفاعيًّا فحسب بل هجومي أيضًا: مساره لا يتبع الخط الأخضر (خط الهدنة ١٩٤٩) بل يتوغّل داخل الأراضي الفلسطينية ليضمّ المستوطنات والمياه والأراضي الزراعية. أي أن الجدار يسرق وهو يختبئ — يُحقّق الهدف التوسّعي من وراء الستار الأمني. "من وراء جُدُر" — يُقاتلون ويسرقون ويُهجّرون ويستوطنون — كل ذلك من وراء الجدار.
وغزة نفسها كانت — قبل أكتوبر ٢٠٢٣ — أوضح نموذج لـ"القرى المحصّنة من وراء جُدُر": محاصَرة بجدار وسياج إلكتروني وأبراج مراقبة وكاميرات وقنّاصين. والقصف الدوري لغزة — ما كان يُسمّى "جزّ العشب" في المصطلح العسكري الإسرائيلي — كان يتمّ من الجو والبحر والبرّ المحصّن دون أن يدخل جندي إسرائيلي واحد. قتل عن بُعد من وراء جدار — تطبيق حرفي للوصف القرآني.
٢. القبة الحديدية — الجدار غير المرئي
القبة الحديدية — منظومة الدفاع الجوي الإسرائيلية — هي الجدار في نسخته التكنولوجية. والاعتماد النفسي عليها أبلغ من فعاليتها التقنية: المجتمع الإسرائيلي بأكمله بنى أمانه النفسي على فكرة أن هناك قبة تحميه — جدارًا غير مرئي يعترض الصواريخ قبل أن تصل. وحين اختُرقت هذه القبة في أكتوبر ٢٠٢٣ — حين تبيّن أنها ليست مطلقة الفعالية — كان الذعر الإسرائيلي أعمق بكثير مما تُبرّره الخسائر الفعلية. لم يكن الذعر من الخسائر فحسب بل من انهيار الجدار النفسي — من اكتشاف أن المأمن الذي بنوا عليه كل شيء يمكن أن ينهار. والجبان حين ينهار جداره لا يتحوّل إلى شجاع بل إلى وحش مرتعب — وهذا يُفسّر جزءًا من الوحشية غير المسبوقة في الردّ على غزة: إنها وحشية الجبان الذي اكتشف أنه مكشوف.
٣. جيش الطائرات المسيّرة — القتل دون مواجهة
التطور الأبرز في الحرب على غزة هو الاعتماد الهائل على الطائرات المسيّرة (الدرونز) والقصف الجوي والذكاء الاصطناعي في تحديد الأهداف. الجندي الإسرائيلي الذي يقتل عائلة بأكملها قد يكون جالسًا أمام شاشة كمبيوتر على بُعد عشرات الكيلومترات — يضغط زرًّا فيموت عشرة أو عشرون أو خمسون إنسانًا. ثم يُغلق الشاشة ويذهب إلى بيته ويأكل عشاءه وينام.
هذا القتل عن بُعد هو التجسيد الأقصى لـ"من وراء جُدُر": لم يعد الجدار حجرًا أو إسمنتًا بل صار مسافة وتكنولوجيا وشاشة. القاتل لا يرى وجه ضحيته ولا يسمع صراخها ولا يشمّ دمها — يرى نقطة على شاشة ويضغط زرًّا وتتحول النقطة إلى سحابة غبار. والمسافة النفسية بين الزرّ والجثة هي الجدار الأكثر سُمكًا — لأنه يحمي ليس الجسد فحسب بل الضمير أيضًا. حين تقتل إنسانًا بيدك لا بدّ أن ترى عينيه — وهذا يُكلّفك نفسيًّا مهما كنت قاسيًا. لكن حين تقتله بضغطة زرّ لا ترى شيئًا — فلا تدفع أي ثمن نفسي. القسوة والجُبن يلتقيان في الشاشة: تقسو دون أن تواجه وتقتل دون أن تخاطر.
وقد كشفت تقارير صحفية أن الجيش الإسرائيلي استخدم في غزة نظامًا للذكاء الاصطناعي سمّاه "لافندر" لتحديد آلاف الأهداف البشرية — والنظام كان يُحدّد الأشخاص المستهدفين وزمان وجودهم في بيوتهم حيث تكون عائلاتهم حولهم، ثم يُوصي بقصفهم في بيوتهم ليلًا — أي قتلهم مع عائلاتهم. القرار يتّخذه حاسوب ويُنفّذه حاسوب ويُراجعه إنسان في ثوانٍ معدودة — لا وقت للتفكير ولا للتردّد ولا لوخز الضمير. المنظومة بأكملها مصمَّمة لإزالة العنصر البشري — أي لإزالة الفرصة الأخيرة للرحمة. حتى الحجر — كما قال القرآن — فيه لحظة خشية. لكن الخوارزمية لا تخشع ولا تتشقق ولا تهبط.
٤. "بأسهم بينهم شديد" — المجتمع الإسرائيلي من الداخل
القرآن يصف ظاهرة عجيبة: "بأسهم بينهم شديد" — شدّتهم تظهر في حروبهم الداخلية أكثر من حروبهم الخارجية. والمجتمع الإسرائيلي يُجسّد هذا بوضوح مذهل.
قبل أكتوبر ٢٠٢٣ مباشرة كان المجتمع الإسرائيلي على شفا حرب أهلية: مظاهرات ضخمة استمرت شهورًا ضد حكومة نتنياهو وخطتها لتعديل القضاء. ضباط في الجيش هدّدوا بالتمرد. طيارون في سلاح الجو أعلنوا رفض الخدمة. كاتبون في الصحف تحدثوا عن "نهاية الديمقراطية الإسرائيلية" و"حرب أهلية وشيكة". التمزّق بين علمانيين ومتدينين، بين أشكناز وشرقيين ومزراحيين، بين مستوطنين ومعتدلين — تمزّق عميق كان يُنذر بانفجار داخلي.
ثم جاء أكتوبر ٢٠٢٣ وبدا أن المجتمع "توحّد" — لكنها وحدة الخوف لا وحدة الإيمان. "تحسبهم جميعًا وقلوبهم شتّى" — بدوا كتلة واحدة في دعم الحرب، لكن خلف هذه الكتلة الظاهرية كانت الشقوق تتسع: عائلات الأسرى ضد الحكومة، والمعارضة ضد نتنياهو، والمستوطنون يُهاجمون الجيش لأنه "لا يقسو كفاية"، والعلمانيون يلومون المتدينين الذين لا يخدمون في الجيش. الوحدة السطحية تُخفي تفككًا عميقًا — وهذا بالضبط ما وصفه القرآن.
٥. الحرص على الحياة — والفارق في المعادلة
"ولتجدنّهم أحرص الناس على حياة" — هذا الوصف القرآني يتجلّى بأوضح صوره في الفارق بين الموقف الإسرائيلي والموقف الفلسطيني من الأسرى والشهداء.
في الجانب الإسرائيلي: أسير واحد — جلعاد شاليط — أُطلق سراحه مقابل أكثر من ألف أسير فلسطيني. صفقة التبادل هذه (٢٠١١) تكشف عن معادلة واضحة: الحياة الإسرائيلية الواحدة تُساوي — في الحساب الإسرائيلي — أكثر من ألف حياة فلسطينية. وهذا ليس كرمًا تجاه الجندي الأسير بل رعب من فكرة أن إسرائيليًّا واحدًا يعاني — لأن معاناة الواحد تُذكّر الجميع بهشاشتهم فيزداد الهلع الجماعي.
وفي أزمة الأسرى بعد أكتوبر ٢٠٢٣ تكشّف الأمر أكثر: عائلات الأسرى الإسرائيليين كانت تضغط بعنف على الحكومة لعقد صفقة تبادل بأي ثمن — وكلمة "بأي ثمن" هنا حرفية: أي ثمن يشمل وقف الحرب والانسحاب من غزة والإفراج عن آلاف الأسرى الفلسطينيين. الحرص على الحياة يتفوّق على كل اعتبار عسكري أو سياسي أو استراتيجي — وهذا بالضبط ما يصفه القرآن.
في المقابل، الفلسطيني الذي يُقاوم في غزة تحت القصف وبأسلحة بسيطة أمام أقوى جيش في المنطقة — يُقدّم نموذجًا معاكسًا تمامًا: إنسان لا يحرص على حياته بل على كرامته. والفارق بين الحرص على الحياة والحرص على الكرامة هو الفارق بين الجُبن والشجاعة — بين من يعيش ألف سنة ذليلًا ومن يموت واقفًا.
٦. الجُبن الأمريكي — الحماية من وراء المحيط
"إلا بحبل من الله وحبل من الناس" — وبما أن حبل الله مقطوع بالنقض والتحريف والكفر فلم يبقَ إلا حبل الناس. وحبل الناس في السياق المعاصر هو الولايات المتحدة الأمريكية: القوة العظمى التي تحمي إسرائيل في مجلس الأمن وتُموّلها بالمليارات وتُسلّحها بأحدث الأسلحة وتوفّر لها الغطاء السياسي والدبلوماسي والإعلامي.
وهذه التبعية — مهما غُلّفت بخطاب "التحالف الاستراتيجي" — هي في جوهرها اعتراف بالعجز عن الوقوف وحدهم. دولة تملك ترسانة نووية وأحد أقوى الجيوش في العالم — ومع ذلك لا تستطيع الوقوف أمام المجتمع الدولي دون ظهر أمريكي. وحين يتذبذب الدعم الأمريكي — ولو قليلًا — يتحوّل الذعر الإسرائيلي إلى هلع وجودي: "أمريكا تتخلّى عنا" هي الجملة الأكثر رعبًا في القاموس الإسرائيلي. والسبب أنهم يعرفون — في أعماقهم — أن كيانهم لا يصمد بذاته: "ضُربت عليهم الذِّلّة أينما ثُقفوا إلا... بحبل من الناس."
والأهمّ أن هذه الحماية الأمريكية تُعزّز الجُبن لا تُعالجه: من يعرف أن هناك من يحميه لا يحتاج أن يكون شجاعًا — بل يحتاج فقط أن يظل مطيعًا للحامي. والطاعة ليست شجاعة بل نوع آخر من الجُبن — جُبن المحتمي بالقوي.
٧. أكتوبر ٢٠٢٣ — لحظة كشف الجُبن
ما حدث صباح السابع من أكتوبر ٢٠٢٣ كان — بصرف النظر عن التقييم العسكري والسياسي — لحظة كشف لجُبن بنيوي طال إخفاؤه. الجيش الذي يُقدَّم بوصفه "الأقوى في الشرق الأوسط" والذي يملك أحدث تكنولوجيا المراقبة والدفاع في العالم — عجز لساعات عن الاستجابة. مستوطنات محصّنة بأحدث الأنظمة سقطت في دقائق. الجدار الذكي — الذي كلّف مليارات الدولارات — اختُرق بأدوات بدائية نسبيًّا. القبة الحديدية أُغرقت بوابل من الصواريخ.
والأهمّ من الفشل التقني هو الفشل النفسي: الصدمة التي أصابت المجتمع الإسرائيلي لم تكن متناسبة مع حجم الحدث فحسب بل كانت أكبر منه بكثير — لأنها لم تكن صدمة خسارة بشرية فقط بل صدمة انهيار الوهم الوجودي: وهم الأمان المطلق ووهم التفوّق المطلق ووهم الجدار الذي لا يُخترق. والجبان حين يُكشف جُبنه لا يصبح شجاعًا — بل يصبح أكثر جُبنًا وأكثر وحشية: يُفرط في العنف تعويضًا عن الخوف ويقتل عشرات الأضعاف ليُقنع نفسه أنه لا يزال قويًّا. وهذا يُفسّر حجم الردّ على غزة: ليس ردًّا عسكريًّا متناسبًا بل ردّ فعل جبان مرعوب يُحاول استعادة الوهم المنكسر بأكبر كمية ممكنة من الدمار.
القسم الرابع: أبعاد تحليلية
١. المعادلة النفسية: لماذا يجتمع الجُبن والقسوة؟
الجُبن والقسوة يبدوان متناقضين — فالجبان ضعيف والقاسي قوي. لكنهما في الحقيقة وجهان لعملة واحدة: الأنا المهدَّدة. الأنا المتضخّمة (بسبب الاستعلاء) تشعر أنها أثمن من أن تُخاطر — فتجبن عن المواجهة. والأنا المهدَّدة (بسبب ضعفها الداخلي الذي تعرفه) تحتاج إلى إثبات قوتها — فتقسو على الضعفاء. الجُبن أمام القوي والقسوة على الضعيف ليسا سلوكين مختلفين بل سلوك واحد بزاويتين: الزاوية التي تواجه الأقوى تكشف الجُبن والزاوية التي تواجه الأضعف تكشف القسوة.
والقرآن يصف هذه المعادلة بدقة مذهلة حين يجمع في آية الحشر بين الجُبن ("لا يقاتلونكم إلا في قرى محصّنة أو من وراء جُدُر") والشدّة في غير محلّها ("بأسهم بينهم شديد") والتفكّك الداخلي ("تحسبهم جميعًا وقلوبهم شتّى"). الجُبن ليس عكس القسوة بل شرطها: لأنك جبان تحتاج أن تقسو على من هو أضعف منك لتُثبت لنفسك أنك لست جبانًا. ولأنك قاسٍ على الضعفاء تعرف أن لديك أعداء فتزداد خوفًا وتحتاج إلى مزيد من الجُدُر. والحلقة لا تنتهي.
٢. الجُبن والتحصينات — من جدار الهيكل إلى جدار الفصل
النزعة إلى الاحتماء بالأسوار والحصون ليست ظاهرة إسرائيلية حديثة بل نمط تاريخي متكرر. في التاريخ القديم كانت القلاع اليهودية — كمسعدة وأنطونيا — رموزًا للاحتماء بالجدران. وحصار مسعدة الشهير (٧٣م) انتهى بانتحار المحاصَرين بدلًا من المواجهة — وهو يُقدَّم في الرواية الإسرائيلية المعاصرة بوصفه "بطولة" بينما هو في جوهره الاعتراف النهائي بأن الجدار هو الملاذ الأخير وأنه حين يسقط لا يبقى خيار — ليس لأنه لا يوجد خيار آخر بل لأن الجبان لا يملك خيارًا غير الجدار أو الموت.
وفي العصر الحديث بنت إسرائيل منظومة كاملة من الجُدُر: جدار الفصل العنصري في الضفة الغربية، والسياج الإلكتروني حول غزة، والجدار على الحدود المصرية، والجدار على الحدود اللبنانية، والملاجئ المحصّنة في كل مبنى إسرائيلي. دولة مبنية بأكملها على فكرة الجدار — لا يوجد كيان سياسي في العالم المعاصر يحيط نفسه بهذا الكمّ من الأسوار والحواجز والسياجات والملاجئ. والسبب ليس أمنيًّا فحسب بل نفسيًّا: الجدار يُطمئن الجبان ويُعيد إليه الإحساس بالأمان المفقود. والجبان لا يكتفي أبدًا بجدار واحد — يحتاج دائمًا إلى جدار آخر أعلى وأسمك وأذكى.
٣. "يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ" — الحرص على البقاء كمحرّك تاريخي
الحرص الشديد على الحياة — الذي وصفه القرآن — يتحوّل في السياق الجماعي إلى حرص على البقاء ككيان. والمشروع الصهيوني بأكمله يمكن قراءته بوصفه مشروع "بقاء بأي ثمن": البقاء يُبرّر الاحتلال والبقاء يُبرّر الإبادة والبقاء يُبرّر السلاح النووي والبقاء يُبرّر التحالف مع أي قوة والبقاء يُبرّر خيانة أي مبدأ. عبارة "لن تحدث هولوكوست أخرى" — التي تُردَّد كشعار وجودي — لا تعني "لن نسمح بظلم آخر" بل تعني "سنفعل أي شيء لنبقى" — وكلمة "أي شيء" تشمل كل ما نراه في غزة.
والمفارقة أن هذا الحرص المطلق على البقاء يُنتج السلوك الذي يُهدّد البقاء: القسوة المفرطة تصنع أعداءً جددًا والجُبن يُفقد الاحترام والتفكّك الداخلي يُضعف البنية والاعتماد على الحامي الخارجي يُفقد الاستقلال. "وما هو بمزحزحه من العذاب أن يُعمَّر" — حتى لو عاش ألف سنة فالعذاب قادم لأن البقاء الذي يُبنى على الظلم لا يدوم.
٤. الجُبن والسردية — "الجيش الذي لا يُقهر"
من أهمّ آليات التعويض عن الجُبن البنيوي صناعة سردية البطولة. المجتمع الإسرائيلي أنتج واحدة من أقوى سرديات البطولة العسكرية في القرن العشرين: "الجيش الذي لا يُقهر" — "الدولة التي انتصرت على سبع دول عربية" — "القوة التي تضرب أعداءها في عقر دارهم". هذه السردية ضرورية نفسيًّا لمجتمع يعرف في أعماقه أنه خائف: لا بدّ من قصة بطولة تُغطّي على حقيقة الجُبن.
لكن الفارق بين البطولة الحقيقية وسردية البطولة يظهر في لحظات الاختبار. البطل الحقيقي لا يحتاج إلى سردية لأن أفعاله تتحدث عنه. أما من يحتاج إلى إعلام ضخم وأفلام هوليوودية وحملات علاقات عامة ليُقنع العالم بأنه بطل — فهو بالضرورة ليس كذلك. البطولة لا تحتاج إلى تسويق — الجُبن هو الذي يحتاج.
وأكتوبر ٢٠٢ك كشف هشاشة السردية: "الجيش الذي لا يُقهر" أُخذ على حين غرّة بمقاتلين بأسلحة بسيطة. والجدار "الأذكى في العالم" اختُرق. والاستخبارات "الأقوى في المنطقة" فشلت. لكن بدلًا من مراجعة السردية ضاعفتها إسرائيل: الردّ على كشف الجُبن كان مزيدًا من القسوة — لأن القسوة المفرطة هي الطريقة الوحيدة التي يعرفها الجبان لاستعادة صورته المكسورة.
٥. "ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ" — الجُبن كخلل في العقل
القرآن يختم آية الحشر بتعليل عجيب: "ذلك بأنهم قوم لا يعقلون". لم يقل "لا يشجعون" ولا "لا يصبرون" بل "لا يعقلون" — أي أن الجُبن عنده خلل في العقل لا في القلب. والعقل هنا بمعناه القرآني الشامل: القدرة على إدراك الحقائق والتصرف بناءً عليها. من يعقل يعرف أن الحياة محدودة وأن الموت لا مفرّ منه وأن الكرامة أبقى من البقاء — فلا يجبن. أما من لا يعقل فيظنّ أن الحياة يمكن إطالتها بالجُدُر وأن الموت يمكن تأجيله بالتكنولوجيا وأن الأمان يمكن شراؤه بالتحالفات — فيعيش حياته كلها خائفًا يبني جدارًا فوق جدار ويختبئ في حصن داخل حصن ولا يأمن أبدًا.
والفارق بين الشجاع والجبان ليس فارقًا في القوة الجسدية بل في الفهم الوجودي: الشجاع يفهم أن الحياة أقصر من أن تُضيَّع في الخوف والجبان يظن أن الحياة أطول من أن تُخاطَر بها. الشجاع يفهم أن الموت جزء من الحياة والجبان يظن أن الموت نقيض الحياة. الشجاع يفهم أن الكرامة لا تُباع والجبان يظن أن البقاء يستحق كل ثمن. ولهذا يقول القرآن "لا يعقلون" — لأن الجُبن في نهاية المطاف خلل في الفهم لا في الشعور.
الخلاصة: دولة الجُدُر
ما يكشفه تقاطع المرايا الثلاث أن الجُبن ليس ضعفًا عابرًا بل مُكوّن بنيوي يُنتجه الاستعلاء (لأن من يظن نفسه فوق البشر يخاف أن يُكشف ضعفه) ويُعزّزه الحرص على الحياة (لأن من يتشبّث بالحياة يجبن عن المخاطرة) ويُحصّنه التحالف مع الأقوياء (لأن من يحتمي بغيره لا يحتاج أن يكون شجاعًا) وتُغطّيه القسوة على الضعفاء (لأن الجبان يحتاج إلى ضحية يُثبت عليها قوته المزعومة).
والنتيجة دولة الجُدُر: دولة تبني جدرانًا مادية وتقنية ونفسية وقانونية ودبلوماسية — وتُقاتل من ورائها جميعًا. دولة تقصف من الجو ولا تنزل إلى الأرض. دولة تقتل بالشاشة لا بالمواجهة. دولة تحتمي بأمريكا لا بشجاعتها. دولة "تحسبها جميعًا وقلوبها شتّى."
وهذا الجُبن البنيوي هو — مفارقةً — نقطة الضعف الأعمق في المشروع الصهيوني: لأن الجُدُر مهما ارتفعت تسقط، والحُماة مهما عظموا يضعفون، والتكنولوجيا مهما تطورت تُخترق. ومن لا يملك شجاعة ذاتية لا يملك شيئًا حين تُنزع عنه جُدُره — كشايلوك حين سقطت حجّته القانونية وباراباس حين سقط في مرجله وفاجين حين أُغلق عليه باب الزنزانة.
﴿لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ﴾ — وكل جدار بناه الظالمون في التاريخ سقط. وكل حصن احتمى به الجبناء انهار. وكل وهم أمان بناه الخائفون تبدّد. ليس لأن الجُدُر لا تصمد ماديًّا — بل لأن من يحتاج إلى جدار ليعيش لا يعيش حقًّا حتى وهو خلف جداره.
في الحلقة القادمة
سننتقل إلى السمة السابعة: الإفساد في الأرض — السمة التي يصفها القرآن بوصفها نتيجة حتمية لكل ما سبق: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾. من الاستعلاء إلى نقض العهود إلى التحريف إلى أكل الأموال بالباطل إلى القسوة إلى الجُبن — كل هذه السمات تصبّ في نهر واحد: الإفساد في الأرض. سنرى كيف يصف القرآن هذا الإفساد بوصفه قدَرًا تاريخيًّا لا مصادفة — وكيف ينتهي.
تابعونا.
#الشخصية_اليهودية_في_ثلاث_مرايا
#الحلقة_السابعة
Prof. Ossama Mansour
Professor of Neurology & Interventional Neuroradiology, Alexandria University